إيران وسياسةُ تَحويل لبنان إلى أرضٍ مَحروقة

هُدى الحُسَيني*

هناكَ أمرٌ واحد يُجمِعُ عليه المراقبون والمحلّلون للأحداث في منطقة الشرق الأوسط والعالم، وهو عدم المعرفة بما ستؤول إليه الحرب الدائرة وكيف ستنتهي. ولا غرابة في ذلك عندما يشاهد العالم على الشاشات رئيس الدولة الأقوى دونالد ترامب يقول إنه تمّ القضاء على ما يقارب 100 في المئة من القوة القتالية الإيرانية، وإنَّ النظامَ يتوسّل اتفاقًا لوقف إطلاق النار، ويأتي الردُّ الإيراني بإطلاق المُسيّرات والصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، مع نفي طلب وقف الحرب. ولأنني لا أملك أجوبة عن التساؤلات ويصعب التحليل والتكهُّن، اتصلت ببروفسور في العلاقات الدولية بجامعة أوكسفورد.

وقبل أن أوجه إليه أسئلتي، قال إنه سعيدٌ بلقائي وسوف يتبادل معي الأفكار والآراء في محاولة لتحليل الأحداث، إذ إنَّ الحقيقة لا يملكها إلّا مَن يستطيع اختراق عقل دونالد ترامب، وهذا مستحيل. قلت إنَّ قواعد الحرب أصبحت واضحة لي، وهي بالملخَّص عمليات عسكرية مشتركة أميركية-إسرائيلية للقضاء على النظام اغتيالًا وتدميرًا واستنزافًا، تقابلها إيران بقصف دول الخليج وإسرائيل وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وما ينتج عن ذلك من تأثير على الاقتصاد العالمي وضغط على الإدارة الأميركية لوقف الحرب. سألته إذا كان يوافق على رؤيتي للقواعد، فأجاب بأنَّ هذا ما نراه على شاشات التلفزيون ويعرفه أيُّ مراقب للأحداث، لكنه ليس قواعد، فما يحصل هو حرب بالنسبة إليه معروفة النتائج، إذ لا يوجد إنسان لا يعرف مدى التفوُّق العسكري للولايات المتحدة القادرة على تدمير كل شيء قائم في إيران، أمّا الرد الإيراني فهو محاولات من النظام للبقاء، وهي ما ستطيل مدة الحرب ولن تغيِّر نتيجتها. سألته كيف يرى النتيجة، فقال إن هذا هو سؤال الأربعة والستين مليون دولار.

وأكمل البروفسور أنه لا يعتقد أنَّ الرئيس ترامب يسعى إلى تقويض النظام الإيراني، بل يريد تحجيم قدراته ونفوذه في المنطقة بحيث لا يستطيع إعادة هذا النفوذ. وعليه، فإنَّ ذراع النظام في لبنان (حزب الله)، سيتم القضاء عليها نهائيًا، وستكون معركة قاسية لتداخل مقاتلي الحزب بالمدنيين في المدن. وكذلك سيتم القضاء على الحوثيين بقصف قاسٍ ومرعب. وتابع أنَّ ترامب سوف يعتبر هذا إنجازًا يُضاف إلى القضاء على البرنامج النووي. لكنه، من معرفته بترامب وإدارته، يحتاج إلى إنجاز آخر ليعود إلى شعبه منتصرًا غانمًا، وباعتقاد الأستاذ في أوكسفورد أنَّ هذا يمكن أن يكون احتلال جزيرة خرج؛ حيث تخزّن إيران 95 في المئة من نفطها.

قلتُ إنَّ ترامب لا يملك ترف الوقت، فالأسواق تشعر بالقلق، والضغوط الأوروبية، كما في الداخل الأميركي، تتزايد مع ارتفاع الأسعار، فقال إنه يتوقع انتهاء العمليات العسكرية مع إيران قبل نهاية شهر نيسان (أبريل) الحالي، وأردف أنَّ دونالد ترامب، في أيِّ حال، لا يأبه للضغوط الأوروبية، وفي الداخل يستطيع احتواء المعارضة الشعبية التي لا تزال محدودة. سألته كيف ستنتهي الحرب الدائرة مع “حزب الله” في لبنان، فقال إنه يأسف أن يقول إنَّ الحرب في لبنان ستستمر طويلًا بعد توقفها في إيران، وإنَّ تصرّفات “حزب الله” ستجلب الكثير من الويلات لبيئته وللبنان.

وَدَّعَني الأستاذ الجامعي قائلًا إنَّ اعتقاده أنها آخر حروب الشرق الأوسط، وبعدها ستشهد البلاد استقرارًا ونهضة وإعادة بناء، وقال باسمًا: “قد تصبحون أوروبا الشرق”.

وإذا كان هذا التحليل ينطلق من قراءة موازين القوى، فإنَّ ثمة وجهًا آخر للصورة لا يمكن تجاهله، وهو ما فعله ويفعله “حزب الله” بلبنان، إذ لم يعد الأمر مجرّد خيارٍ سياسي أو موقع ضمن محور إقليمي، بل تحوّل إلى مسار متراكم من القرارات التي دفعت البلاد إلى حافة الانهيار الكامل. فمنذ سنوات، دخل الحزب في حروب تتجاوز حدود الدولة وإرادتها، وربط مصير لبنان بصراعات لا طاقة له على تحمّلها، ما أدى إلى تآكل مؤسسات الدولة، وانهيار الاقتصاد، وعزل البلاد عن محيطَيها العربي والدولي. ولم يكن هذا المسار إلّا خدمة مباشرة، ولو بصورةٍ غير معلنة، للمصالح الإسرائيلية التي تجد في إضعاف الدولة اللبنانية وتفكُّكها بيئة مثالية لتكريس تفوُّقها وفرض شروطها.

وفي خضمِّ هذه الحرب، يصبح السؤال الأخطر ليس فقط كيف ستنتهي المواجهة، بل ما الذي سيتبقّى من لبنان بعدها. إذ لا تزال مساحة الأرض التي قد تتحول إلى مناطق منزوعة السلاح أو خالية من السكان غير معروفة، في ظل تصعيد عسكري قد يدفع إسرائيل إلى فرض وقائع ميدانية جديدة تحت عنوان الأمن، وهو ما يعني عمليًا اقتطاع أجزاء من الجنوب وفرض أمر واقع طويل الأمد. وهنا تتقاطع النتائج الميدانية مع الخيارات السياسية التي اتخذها “حزب الله”، بحيث يبدو أن ما عجزت عنه إسرائيل في حروب سابقة قد يتحقق اليوم بفعل الانهيار الداخلي والتفكك الوطني.

ولا يمكن في هذا السياق تجاهل الدور الذي يلعبه رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يظهر، وفق هذا المسار، في موقع المتواطئ مع هذا الواقع بالصمت. فبدل أن يكون هناك سعي لإعادة القرار السيادي إلى مؤسسات الدولة، يستمر تثبيت معادلة تُبقي لبنان ساحة مفتوحة، تُدار وفق حسابات إقليمية لا تعكس مصلحة اللبنانيين.

وفي المحصّلة، يبدو أنَّ ما يجري يتجاوز مجرد صراع عسكري إلى مشروع أوسع؛ حيث تسعى إيران، عبر أدواتها، إلى إبقاء لبنان في حالة استنزاف دائم، بل إلى تحويله، إذا اقتضت الحاجة، إلى أرض محروقة، يكون وقودها حياة اللبنانيين واقتصادهم ومستقبلهم. وهنا تكمن المأساة الحقيقية، إذ لا يعود الدمار نتيجة حرب مفروضة فحسب، بل نتيجة خيارات داخلية جعلت من لبنان ساحة لصراعات الآخرين، بدل أن يكون دولة قادرة على حماية نفسها وصون شعبها. وهكذا يؤكد “حزب الله” المُؤكَّد وهو أنه عدوٌ للبنان، وأنه لا يمانع بأن تجعل إسرائيل جنوب لبنان أرضًا من دون شعب وحجر وشجر!

Exit mobile version