محمّد قوّاص*
قبلَ عامٍ ونصف لم يكن أيُّ خبيرٍ في شؤون الشرق الأوسط يتخيّل أنَّ رئيس سوريا يمكنه بدعوةٍ رسمية أن يزورَ لندن وبرلين. كان النظام السابق يعاني قطيعةً من كافة دول أوروبا، وبات رئيسه بشّار الأسد شخصًا غير مرغوب به. وقبل عام ونصف لم يصدف أن استشرف مختص في شؤون سوريا أن يحلّ رئيسٌ جديد في البلاد ذو خلفية “جهادية” ضيفًا على المستشار الألماني فريدريتش ميريتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.
بعد أيام من وصول أحمد الشرع إلى دمشق بعد ساعاتٍ من فرار الأسد نحو موسكو، تدفق ديبلوماسيو أوروبا والولايات المتحدة لملاقاة الحدث واستطلاع طباع أصحابه واستكشاف سُبُل الدعم الذي بدا غير مشروط. ارتفعت الأعلام فوق سفارات الدول الغربية واحدة تلوَ أُخرى في سياقِ تبنّي كامل لما تحوّل في سوريا ودعمه وصيانة شروط بقائه. واكبت العواصم الغربية تعثُّر نظام سوريا في سقطاتٍ داخلية دموية مؤلمة. تباطأت تلك العواصم في ممارسة الضغوط المعهودة بهذا الشأن، وحتى عملت على حجبها. وجدت في الصيغ الديبلوماسية عبارات يختلط فيها العتب والغضب والتفهُّم.
ذهب الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استقبال الشرع في البيت الأبيض بعد أشهرٍ من استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون له في الإليزيه. رُفِعت عقوبات “فيصر”. عادت سوريا إلى النظام الدولي، لكن ذلك الزخم الذي لامس حدوده القصوى لم يَعُد كافيًا لانتشال سوريا من مأزقها.
تعرف العواصم أنه لو لم يحصل التحوّل الذي قاده الشرع لكانت سوريا اليوم جبهةً تقاتل إلى جانب إيران من قبل “مستشاري” الحرس الثوري الإيراني وميليشيات الفاطميين والزينبيين وأي ميليشيات أخرى تابعة لجمهورية الولي الفقيه. تعرف أيضًا أنَّ دمشق حشدت منذ بداية الحرب الراهنة قوات على حدود سوريا الشرقية مع العراق والحدود الغربية مع لبنان لمنع انتقال تلك الحرب إلى داخل البيت السوري. وتعرف أيضًا أنَّ ذلك الجهد العسكري الأمني لصون الحدود دونه ضغوط داخلية باتت تشكو من أزمة اقتصادية ظهر أنَّ “الزخم” الدولي لم يُسعِفها.
في زيارته إلى برلين ولندن يكتشف الشرع حرص أوروبا على الاستمرار في دعم التجربة السورية. لم تتغيّر قراءة ألمانيا وبريطانيا للتحوّل السوري بصفته مصلحة أمن استراتيجي للقارة ومدخل حتمي لحلّ أزمة اللاجئين السوريين. لكن الرئيس السوري يكتشف أيضًا أنَّ البلدين والغرب من خلفهما بات يُجاهر، ودائمًا بودّ الصديق والحليف، أن تذهب سوريا الجديدة مذاهب متقدِّمة لإقامة دولة عصرية تقوم على العدل والقانون وصون استقرار المجتمع وحقوق الأقليات وتوفّر للاستثمارات الخارجية بيئة قانونية حاضنة.
بدا أنَّ نقاشًا داخليًا داخل بريطانيا وألمانيا يطلب كشف حساب لشروط دعم سوريا. وما يتسرّب من لندن وبرلين بمناسبة زيارة الرئيس السوري للعاصمتين ينهل من عبقِ مزاجٍ عام بات يُطالب الشرع بإحداث تغييرات في شكل الدولة ودستورها وعمليتها السياسية وقوانينها، بما يرفع أي تحفّظ أو تردُّد وريبة عن الدفع بالبرامج المالية لإعادة الإعمار في سوريا.
سبقت زيارة الشرع للعاصمتين أحداثٌ فتنوية طائفية جديدة وتقريرٌ أُممي بشأن المسؤوليات في أحداث السويداء. لكن في الصدف والأقدار ما يوحي بأنَّ العالم القريب والبعيد بات في القلق على سوريا يُسمِعُ دمشق الكلمات واضحة. تحتاج أوروبا إلى دولة سورية قوية تصون التوازن الجديد الذي أحدثه خروج إيران من معادلة ممر طهران-بيروت. تحتاج أمنًا في سوريا يمنع عن أوروبا موجات عرفتها سابقًا من الإرهاب. تريد أوروبا، لا سيما ألمانيا، إعادة اللاجئين السوريين أو معظمهم إلى بلادهم.
غير أنَّ دمشق وبرلين ولندن تعرف أنَّ عودة اللاجئين تحتاج إلى أمن واستقرار وبُنى تحتية حاضنة. بالمقابل ما زالت خطط تمويل تلك الورشة من أوروبا تحتاج إلى أجوبة سورية باتت داهمة وعاجلة تقابلها دمشق بكثير من الضبابية وعدم الوضوح. لا نعرف ماذا سمع الشرع خلف الكواليس، لكن الرجل أنصت بعناية، وبات عليه قراءة العالم من منظورٍ آخر: انتهت الثورة وزخمها وبدأ عصر الدولة وأصولها.
- الدكتور محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).
