لم يعد الحياد خيارًا لبغداد مع اتساع رقعة المواجهة الإقليمية. فالعراق يتحوّل تدريجًا من وسيطٍ حذر إلى ساحةِ صراعٍ مفتوحة.
ريناد منصور*
أشعلت الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران أحد كوابيس الشرق الأوسط التي طالما خشيتها المنطقة: حربٌ إقليمية شاملة. ومع اتساع رقعة الاشتباك، برزت تداعياته القاسية بشكلٍ خاص على العراق، الجار الغربي لإيران، الذي وجد نفسه مجددًا في قلب توازُناتٍ معقّدة تتجاوز قدرته على المناورة.
خلال السنوات القليلة الماضية، نجح العراق في تفادي الانزلاق إلى دوّامة التصعيد التي أعقبت هجمات “حماس” في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023. فعلى الرُغمِ من عمق الروابط السياسية والأمنية مع طهران، استطاعت بغداد الحفاظ على مسافة محسوبة من الصراع، مُستفيدةً من رغبةٍ مشتركة لدى الحكومتين الإيرانية والعراقية في كبح اندفاع الميليشيات الموالية لإيران داخل العراق. هذه الجماعات، التي تعاظم نفوذها منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، ثم ترسّخَ دورها خلال الحرب على تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، بقيت هذه المرة تحت سقف حسابات الدولة.
في هذا السياق، بدا واضحًا أنَّ بغداد لم تكن مُستعدّة للمغامرة باستقرارها النسبي، الذي تحقّق بشقِّ الأنفس، ولا بتعريض مُكتسباتها الاقتصادية والأمنية للاهتزاز. وحتى مع انخراط ساحاتٍ أخرى ضمن محور النفوذ الإيراني —من لبنان إلى سوريا واليمن— اختار العراق انتهاجَ سياسةَ توازُنٍ دقيقة، قائمة على تعدُّد التحالفات، محافظًا على قنواته مع كلٍّ من طهران وواشنطن، في محاولةٍ لتفادي الانجرار إلى مواجهة مفتوحة لا يملك أدواتها ولا يتحمّل كلفتها.
تدفع الحرب الحالية هذا التوازن الهش إلى أقصى حدوده، إذ لم يعد العراق قادرًا على الاكتفاء بدور المتفرّج الحذر. فبينما تتخلى إيران تدريجًا عن سياسة احتواء التصعيد لصالح استراتيجية أكثر اندفاعًا تقوم على توسيع رقعة الاشتباك، تبدو مستعدة لتحمّل كلفة زعزعة الاستقرار في العراق، حتى وإن كان ذلك يهدد أحد أهم عمق استراتيجي لها. ومنذ اندلاع هذه المواجهة، كثّفت جماعات مسلحة عراقية موالية لطهران هجماتها، مستهدفة قواعد أميركية داخل العراق وفي محيطه، في مؤشر واضح إلى انتقال الصراع من حالة الردع المتبادل إلى منطق الاشتباك المفتوح.
وفي موازاة ذلك، وسّعت إيران نطاق عملياتها المباشرة، فقصفَت مواقع في إقليم كردستان، ما أدى إلى سقوط ضحايا في صفوف قوات البيشمركة، واستهدفت منشآت نفطية حيوية، في خطوةٍ تحمل رسائل مزدوجة: أمنية واقتصادية. ولم تتأخر واشنطن في الرد، إذ شنّت ضربات على أهداف مرتبطة بميليشيات موالية لإيران داخل العراق، لتفتح بذلك جبهة كانت تحرص طوال السنوات الماضية على إبقائها تحت السيطرة. هكذا، يتحول العراق تدريجًا إلى ساحة مواجهة متداخلة، تتقاطع فيها حسابات القوى الإقليمية والدولية.
ومع تصاعد هذا التوتر، بدأت التداعيات الاقتصادية والسياسية تتفاقم داخليًا. فالبرلمان العراقي، العالق في أزمة تشكيل السلطة (اختيار رئيسَي الجمهورية والحكومة) منذ انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر)، يجد نفسه عاجزًا عن مواكبة تحديات تتجاوز قدرته المؤسسية. ومع كل يوم يمر، تتآكل قدرة الدولة على إدارة الضغوط المتراكمة، ما يرفع منسوب القلق من انزلاق البلاد مجددًا إلى دوّامة الفوضى التي أمضت سنوات في محاولة تجنّبها.
مُحاصَر
وفي هذا السياق، لم يعد العراق مجرّد ساحة خلفية للصراع، بل تحوّل إلى أحد ميادينه الرئيسة. فعلى الرُغم من تركيز الاهتمام الدولي على امتداد الحرب إلى الخليج، فإنَّ العنف داخل العراق يتصاعد بوتيرةٍ مقلقة، حيث سقط عشرات القتلى منذ بدء الهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران. وقد صعّدت الفصائل المرتبطة بقوات الحشد الشعبي من عملياتها، مستخدمةً الطائرات المسيّرة والصواريخ لاستهداف السفارة الأميركية في بغداد، وقواعد عسكرية تضم قوات أميركية، فضلًا عن مواقع في كردستان مرتبطة بواشنطن.
في المقابل، كثّف الجيش الأميركي ضرباته الجوية، مستهدفًا بنى تحتية ومستودعات أسلحة وقادة ميدانيين لهذه الفصائل. غير أنَّ خطورة المرحلة تكمن في احتمال تجاوز هذه الضربات حدود الفصائل إلى مؤسسات الدولة نفسها. فقد أثارت اتهامات الحشد الشعبي لواشنطن باستهداف قاعدة عسكرية عراقية ومقر قيادته، ومقتل مسؤولين أمنيين، مخاوف من انزلاق المواجهة نحو صدام مباشر مع مؤسسات الدولة العراقية. وفي ظلِّ التداخل البنيوي بين الجيش والحشد، يصبح من الصعب عزل الأهداف، ما يزيد احتمالات سقوط ضحايا من القوات النظامية.
هذا التصعيد المتبادل يدفع بالعلاقات الأميركية–العراقية إلى حافة اختبار صعب. فرُغمَ نفي واشنطن مسؤوليتها عن بعض الضربات، سارعت بغداد إلى اتخاذ خطوات ديبلوماسية وعسكرية، من بينها استدعاء القائم بالأعمال الأميركي، ومنح الضوء الأخضر لكافة الوحدات، بما فيها الحشد الشعبي، للرد على أيِّ هجوم. وبهذا، تتشكل حلقة مفرغة من الفعل ورد الفعل، يصعب كسرها مع تزايد منسوب التوتر وانعدام الثقة.
ولعلَّ المفارقة أنَّ هذا السيناريو هو بالضبط ما سعى القادة العراقيون إلى تجنبه منذ هجمات “حماس” في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023. فقد عملت بغداد وطهران، خلال تلك المرحلة، على ضبط سلوك الفصائل المسلحة ومنع انجرار العراق إلى صراعٍ إقليمي مفتوح، إدراكًا منهما لكلفة ذلك على الاستقرار الداخلي. وقد استفادت مختلف الأطراف من هذا “الهدوء النسبي”: الدولة العراقية عززت موقعها، والاقتصاد شهد تحسنًا ملحوظًا، فيما راكمت الفصائل المسلحة نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا داخل مؤسسات الدولة، خصوصًا بعد دورها في الحرب ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”.
كما شكّل العراق بالنسبة إلى إيران أكثر من مجرد ساحة نفوذ؛ إذ مثّل عمقًا أمنيًا يحمي حدودها الغربية، ومنفذًا اقتصاديًا حيويًا للتخفيف من وطأة العقوبات. فمن خلال شبكات مالية وتجارية معقدة، تمكنت طهران من الوصول إلى الدولار، وتسويق نفطها وغازها بطرق ملتوية، ما جعل استقرار العراق مصلحة إيرانية بامتياز.
غير أنَّ ما تغيّر اليوم هو طبيعة الحسابات نفسها. فمع انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر حدّة، لم يعد الحفاظ على هذا التوازن أولوية مطلقة، بل بات ورقة ضمن صراع أوسع. وهنا تكمن خطورة المرحلة: إذ يتحول العراق من “منطقة عازلة” إلى “ساحة اشتباك”، ومن عنصر استقرار نسبي إلى نقطة ضغط قابلة للاشتعال، في لحظة إقليمية مفتوحة على كل الاحتمالات.
بعد أن هاجمت “كتائب حزب الله”، وهي جماعة مسلحة عراقية، موقعًا عسكريًا أميركيًا في الأردن في كانون الثاني (يناير) 2024، ما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين، بدا أنَّ ثمّةَ سقفًا واضحًا للتصعيد تحرص طهران على عدم تجاوزه. فقد سارع المسؤولون الإيرانيون، بالتوازي مع قادة الحشد الشعبي، إلى احتواء الموقف والضغط على الجماعة لوقف هجماتها، في محاولةٍ لمنع انزلاق المواجهة إلى صدامٍ مباشر واسع النطاق. وظهر هذا النهج بوضوح مجددًا في حزيران (يونيو)، خلال حرب الأيام الاثني عشر، حين عملت طهران على كبح اندفاع الميليشيات العراقية ومنعها من الانخراط في القتال.
غير أنَّ هذا الضبط لم يعد قائمًا بالقدر نفسه اليوم. فمع تعمّق المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تُعيدُ طهران صياغة أولوياتها الاستراتيجية، مُنتقلةً من منطق إدارة التوازن إلى منطق المواجهة المفتوحة. وبالنسبة إلى كثيرٍ من صانعي القرار الإيرانيين، لم يعد الحفاظ على الوضع الراهن خيارًا مُجديًا، بل بات يُنظَرُ إليه كصيغةٍ فاشلة لم تعد تواكب حجم التهديدات. ومن هنا، يتجه التفكير الإيراني نحو خوض ما تعتبره صراعًا وجوديًا، ما يفتح الباب أمام تصعيد أوسع، يشمل تكثيف الضربات على أهداف أميركية داخل العراق، وكذلك على مواقع في إقليم كردستان، الذي يُنظر إليه في طهران بوصفه مساحة نفوذ أميركي–إسرائيلي غير مباشر.
في هذا السياق، تتباين مواقف الفصائل العراقية المسلحة نفسها. فبينما يُدرك بعضُ القوى الكبرى داخل الحشد الشعبي أنَّ استمرار التصعيد يهدد مكتسباتها السياسية والاقتصادية، تبدو الفصائل الأصغر والأكثر تشدُّدًا أقل اكتراثًا بمنطق الاستقرار. إذ ترتبط هذه الجماعات، بحكم بنيتها الإيديولوجية وشبكاتها الأمنية والاقتصادية، ارتباطًا وثيقًا بمشروع النفوذ الإيراني في المنطقة. ومع ازدياد الضغوط على طهران نتيجة الحرب، يتعاظم قلق هذه الفصائل من فقدان دعمها الأساسي، ما يدفعها إلى مزيد من التصعيد كوسيلة لحماية موقعها ونفوذها.
في المقابل، تقف الحكومة العراقية أمام معادلة شديدة التعقيد. فهي من جهة مطالبة بالحفاظ على سيادة الدولة ومنع استخدام أراضيها كساحة صراع، ومن جهة أخرى تفتقر إلى الأدوات الكفيلة بضبط سلوك هذه الفصائل. فلا يزال القطاع الأمني يعاني من انقسامات بنيوية عميقة، تحدّ من قدرة رئيس الوزراء، بوصفه القائد العام للقوات المسلحة، على فرض سلطته الفعلية. وحتى قيادة الحشد الشعبي نفسها تواجه صعوبات متزايدة في ضبط الفصائل المنضوية تحت مظلتها.
ويعود جُزءٌ من هذا التفكُّك إلى السياقات التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وما تبعه من إعادة تشكيل للنظام الأمني على أُسُسٍ هشّة. كما أسهمت الضربة الأميركية عام 2020، التي أدت إلى مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، في إضعاف آليات التنسيق المركزي التي كانت تضبط إيقاع هذه الجماعات. ومنذ ذلك الحين، أخذت الفصائل تميل أكثر نحو الاستقلالية، ما زاد من صعوبة احتوائها.
نتيجةً لذلك، يلوح في الأفق خطر انزلاق العراق نحو صراعٍ داخلي أعمق. ويعكس اغتيال ضابط في جهاز المخابرات الوطنية العراقية على يد ميليشيا موالية لإيران في 21 آذار (مارس) هذا المنحى المقلق، إذ يشير إلى استعداد بعض هذه الجماعات لاستخدام السلاح ضد مؤسسات الدولة نفسها. وقد حملت هذه العملية رسالة واضحة إلى بغداد مفادها أنَّ محاولات كبح نفوذ الفصائل أو نزع سلاحها قد تُواجَه بردٍّ عنيف.
ومع ذلك، فإنَّ التراجع عن هذه الجهود ليس خيارًا ممكنًا، بل إنَّ المضي فيها بات أكثر إلحاحًا، ليس فقط لحماية الأمن الداخلي، بل أيضًا للحفاظ على موقع العراق الإقليمي. فقد بدأت كلفة الانخراط غير المباشر في هذا الصراع تنعكس على علاقات بغداد الخارجية، لا سيما مع دول الخليج التي سعت في السنوات الأخيرة إلى إعادة الانفتاح على العراق. ففي الأسبوع الماضي، أصدرت البحرين والأردن والكويت وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة بيانًا مشتركًا يُدينُ الهجمات التي تنفذها جهات موالية لإيران، خصوصًا تلك التي تنطلق من الأراضي العراقية.
وهنا، تتجاوز التداعيات البُعد الأمني لتطال المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للعراق. فكلما طال أمد الحرب، تزايد خطر تقويض الشراكات الناشئة مع دول الخليج، والتي تمثل فرصة نادرة لتنويع الاقتصاد العراقي وتقليل اعتماده على إيران، سواء في مجال الطاقة أو في المجالات المالية والتجارية. وفي ظل هذه المعادلة الدقيقة، يجد العراق نفسه محاصرًا بين ضغوط الداخل وتعقيدات الخارج، في لحظة تتطلب توازنًا يكاد يكون مستحيلًا.
وضع حرج
على الصعيد الاقتصادي، يبدو العراق أكثر هشاشةً في مواجهة تداعيات حرب إقليمية طويلة الأمد. فاستقرار الدولة المالي يعتمد إلى حدٍّ كبير على صادرات النفط، التي تؤمّن أكثر من 90% من إيرادات الحكومة، وتموّل قطاعًا عامًا متضخِّمًا يُعدّ من الأكبر في الشرق الأوسط. وفي مثل هذا النموذج الريعي، لا يحتاج الأمر إلى صدمةٍ كبيرة لزعزعة التوازُن؛ إذ إنَّ أيَّ اضطرابٍ في الإنتاج أو في البنية التحتية للتصدير، أو حتى في خطوط الملاحة عبر مضيق هرمز، ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على دفع الرواتب، والحفاظ على الخدمات الأساسية، واحتواء الغضب الاجتماعي.
غير أنَّ هذه الهشاشة لم تنشأ مع الحرب الحالية فحسب، بل تعود جذورها إلى اختلالاتٍ بُنيوية سبقت التصعيد الأخير. فقد واجه الاقتصاد العراقي، خلال السنوات الماضية، ضغوطًا متزايدة نتيجة النمو السكاني السريع، وتدفّق أعداد كبيرة من الشباب إلى سوق العمل، في مقابل محدودية الفرص في القطاع الخاص. ولتعويض هذا الخلل، لجأت الحكومات المتعاقبة إلى توسيع التوظيف في القطاع العام، الذي تحوّل إلى أداةٍ رئيسة لامتصاصِ البطالة واحتواءِ الاحتقان الاجتماعي.
وقد بدا هذا النموذج قابلًا للاستمرار لفترة، مُستفيدًا من الطفرة في أسعار النفط التي وفّرت عائدات سخية مكّنت بغداد من تمويل رواتب مئات الآلاف من الموظفين الجدد. إلّا أنَّ هذا التوسُّع، رُغمَ ما وفّره من استقرارٍ مؤقت، حمل في طيّاته مخاطر مالية متراكمة، إذ ربط الإنفاق العام بتقلُّبات سوق الطاقة، وجعل المالية العامة عُرضةً لأيِّ صدمةٍ خارجية.
ومع تراجُع الإيرادات النفطية في الأشهر الأخيرة، بدأت هذه الهشاشة تظهر إلى العلن. فقد أثارت خطط تأجيل صرف الرواتب، وإعادة النظر في استحقاقات موظفي الدولة، موجة قلق متزايدة بين المواطنين، في وقتٍ استمرَّ الإنفاق الحكومي عند مستويات مرتفعة. وسبق أن شهدت مدن عراقية عدة احتجاجات متفرّقة، قادتها فئات مهنية ومجتمعات محلية، مُطالبةً بتوفير فرص العمل وضمان الرواتب والحفاظ على المكتسبات الاجتماعية، في مؤشرات مبكرة إلى تصاعد الاستياء الاقتصادي.
اليوم، تأتي الحرب لتُضاعف هذه الضغوط وتدفعها نحو مرحلةٍ أكثر خطورة. فقد أدى إغلاق مضيق هرمز في أوائل آذار (مارس) إلى تراجع إنتاج النفط العراقي بشكلٍ حاد، من نحو 4.2 ملايين برميل يوميًا إلى ما يقارب 1.4 مليون برميل، في ضربةٍ مباشرة للمصدر الأساسي لإيرادات الدولة. وفي الوقت نفسه، استهدفت ميليشيات موالية لإيران ناقلات النفط والبنية التحتية للطاقة، ما زاد من اضطراب السوق وأضعف ثقة المستثمرين.
وقد جاء هذا التراجع في لحظةٍ كان العراق يحاول فيها استعادة جاذبيته الاستثمارية، مع عودة شركات طاقة كبرى مثل “بي بي” و”توتال إنيرجيز” و”شيفرون” إلى قطاعه النفطي، بعد سنواتٍ من عدم الاستقرار الذي أعقب الحرب على تنظيم “الدولة الإسلامية”. إلّا أنَّ تدهور الأوضاع الأمنية أجبر الحكومة على إعلان حالة القوة القاهرة، وإيقاف عمليات في حقول تديرها شركات أجنبية، نظرًا لعدم قدرتها على تصدير النفط المنتج.
وفي ظل هذه المعطيات، تضيق خيارات بغداد إلى حدٍّ كبير. فعلى عكس دول الخليج الأخرى، التي تمتلك بدائل لوجستية عبر خطوط أنابيب برية أو موانئ على البحر الأحمر، أو احتياطيات مالية تخفف من وقع الأزمات، يظلُّ العراق معتمدًا بشكلٍ شبه كامل على تصدير النفط عبر مضيق هرمز. أما البديل الوحيد المتاح، وهو خط أنابيب كركوك–تركيا، فلا تتجاوز طاقته 250 ألف برميل يوميًا، وهو رقمٌ ضئيل مقارنة بالكميات التي تُصدَّر عادة من موانئ البصرة.
ولا تتوقف نقاط الضعف عند هذا الحد، إذ لا يزال العراق يعتمد بشكل كبير على إيران لتأمين احتياجاته من الغاز الطبيعي والكهرباء. وتزداد أهمية هذه الواردات خلال فصل الصيف، حين ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، ويتضاعف الطلب على الطاقة. وحتى في أشهر الربيع، يمكن أن تقترب درجات الحرارة من 40 درجة مئوية، ما يجعل أي انقطاع في التيار الكهربائي محفّزًا مباشرًا للاحتجاجات الشعبية.
وفي هذا السياق، فإنَّ أيَّ اضطرابٍ في إنتاج الطاقة الإيرانية أو في تدفُّق صادراتها إلى العراق من شأنه أن يفاقم أزمة الكهرباء، ويدفع الشارع نحو مزيد من التوتر. وهكذا، تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع التحديات الأمنية، لتضع العراق أمام اختبار مزدوج، حيث لم يعد الاستقرار مجرد مسألة سياسية، بل بات مرهونًا أيضًا بقدرته على الصمود في وجه صدمات اقتصادية متلاحقة.
ولا تتوقف تداعيات الأزمة الاقتصادية عند قطاع الطاقة، بل تمتد لتطال البنية المعيشية اليومية للعراقيين. فالعراق يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء والدواء والسلع الاستهلاكية، سواء عبر حدوده مع إيران أو من خلال موانئه الجنوبية المطلة على الخليج العربي. ومع اضطراب سلاسل الإمداد نتيجة الحرب، بدأت الأسواق تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار المواد الغذائية، بالتوازي مع ضغوط متزايدة على الدينار العراقي. وفي الوقت نفسه، أدى ارتفاع أسعار الوقود وتذبذب إمدادات الطاقة إلى مشاهد مألوفة من الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود في مناطق عدة، في مؤشر واضح إلى اتساع نطاق الأزمة.
هذه التطوّرات لا تقتصر آثارها على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تحمل في طياتها مخاطر اجتماعية وسياسية عميقة. فالعراق الذي شهد خلال السنوات الأخيرة موجات احتجاج واسعة على خلفية البطالة وتردّي الخدمات، قد يجد نفسه أمام إعادة إنتاج لهذه الديناميات، لكن في سياق أكثر هشاشة وتعقيدًا. إذ إنَّ تكرار الضغوط المعيشية نفسها، في ظل بيئة أمنية مضطربة، قد يدفع شرائح واسعة من المجتمع إلى الشارع مجددًا، مع ما يحمله ذلك من احتمالات التصعيد والقمع.
بغداد بلا قيادة
وفي موازاة هذا الضغط الاقتصادي المتصاعد، تتكشف أزمة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في الشلل السياسي الذي يطبع المشهد الداخلي. فالحرب الإقليمية تدور في وقتٍ تُعاني بغداد من جمود سياسي طويل الأمد، أعقب انتخابات برلمانية لم تفرز أغلبية واضحة. وحتى الآن، لم تتمكن القوى السياسية من التوصل إلى توافق حول شَغْل منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، ما أبقى البلاد رهينة مفاوضات عقيمة امتدت لأشهر من دون نتائج تُذكر.
وقد أدى هذا الانسداد إلى ترك إدارة الدولة في يد حكومة تصريف أعمال محدودة الصلاحيات، تفتقر إلى القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية في لحظةٍ إقليمية شديدة الحساسية. وفي ظلِّ تصاعد التهديدات الأمنية وتفاقم التحديات الاقتصادية، تبدو هذه البنية التنفيذية عاجزة عن حماية البنية التحتية الحيوية أو احتواء تداعيات الحرب على السكان.
ويزيد هذا الفراغ السياسي من تعقيد العلاقة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان. فقد شهدت هذه العلاقة توترات متزايدة في السنوات الأخيرة، مع تحوّل ميزان القوى تدريجًا لصالح المركز، لا سيما بعد قرارات قضائية وإجراءات سياسية حدّت من استقلالية أربيل في إدارة مواردها النفطية والمالية. وفي ظلِّ التصعيد الراهن، يطرح القادة الأكراد تساؤلات متزايدة حول عجز بغداد عن كبح الجماعات المسلحة الموالية لإيران، التي نفذت هجمات بطائرات مسيّرة على مواقع داخل الإقليم.
في المقابل، يواجه إقليم كردستان مخاطر متصاعدة بالانجرار إلى قلب الصراع الإقليمي. فمع تداول تقارير عن اهتمام أميركي–إسرائيلي بإثارة تحرّكات داخل الأوساط الكردية في إيران، بهدف الضغط على طهران، يصبح الإقليم عرضة لردود فعل إيرانية مباشرة. ورُغمَ التصريحات السياسية التي تُقلل من احتمالات هذا السيناريو، فإنَّ المؤشرات الميدانية توحي بأنَّ إقليم كردستان قد يتحوّل إلى ساحةٍ إضافية للصراع، بحُكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته الإقليمية.
وفي خضم هذه التفاعلات، تعود مسألة علاقة العراق بإيران إلى واجهة النقاش السياسي الداخلي. فمنذ الغزو الأميركي عام 2003، لم يقتصر التغيير على إسقاط النظام، بل طال بنية الدولة نفسها، التي أعيد تشكيلها على أُسُسٍ مُجزَّأة. وفي الفراغ الذي أعقب ذلك، وجدت طهران فرصة استراتيجية لتوسيع نفوذها في بلد كان يومًا خصمًا رئيسًا لها، خصوصًا في ظل الذاكرة الثقيلة للحرب العراقية–الإيرانية في الثمانينيات.
وخلال العقدين الماضيين، نجحت إيران في ترسيخ حضور عميق داخل مفاصل الدولة العراقية، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. فقد أسهمت في تشكيل شبكات نفوذ داخل النخب الحاكمة، وربطت مصالحها بعدد من الأحزاب والقوى المؤثرة، ما منحها قدرة غير مباشرة على التأثير في القرارات الكبرى. كما عززت هذا النفوذ عبر شبكة معقدة من الجماعات المسلحة الموالية لها، التي اندمجت بدرجات متفاوتة في المؤسسات الأمنية والسياسية، لتتحول إلى أداة فاعلة في توجيه السياسات، وضمان عدم تعارضها مع المصالح الإيرانية.
وهكذا، يجد العراق نفسه اليوم أمام مفارقة حادة: دولة تسعى إلى تثبيت سيادتها واستقرارها، لكنها تعمل ضمن منظومة نفوذ متشابكة، تتقاطع فيها مصالح الداخل مع حسابات الخارج، في لحظةٍ إقليمية تُعيد رسم ملامح التوازنات بأسرها.
في خضمِّ هذا المشهد المُعقَّد، ينظر بعض السياسيين العراقيين، وإنْ بتحفّظ، إلى المواجهة الإقليمية الراهنة بوصفها فرصة محتملة لإعادة التوازن الداخلي. فتيارات داخل النخبة السياسية، لا سيما ذات النزعة القومية، تدعو إلى استثمار اللحظة لإعادة تأكيد سيادة الدولة، وكبح استقلالية الفصائل المسلحة، وإعادة ضبط علاقات العراق الخارجية، عبر الانفتاح بشكلٍ أوسع على دول الخليج والولايات المتحدة. غير أنَّ هذا الطرح لا يخلو من هواجس عميقة، إذ يخشى كثيرون أن يؤدّي إضعاف إيران، أو شعورها بأنها محاصرة في صراعٍ وجودي، إلى سلوك أكثر اندفاعًا وزعزعة للاستقرار، ينعكس بشكل مباشر على الساحة العراقية.
وتبرز ملامح هذا القلق في السلوك الإيراني المتشدّد في مضيق هرمز، حيث وجد العراق نفسه، رُغم علاقاته الوثيقة مع طهران، مضطرًا للتفاوض لضمان مرور ناقلاته النفطية، في مسعى لم يحقق نتائج ملموسة في كثير من الأحيان. ويعكس ذلك مدى تقلّص هامش المناورة أمام بغداد، حتى في الملفات التي تمسُّ صميم اقتصادها.
السيطرة على الأضرار
في هذا السياق، تبدو الحرب المستمرة قد وضعت العراق بالفعل في موقع أكثر هشاشة مما كان عليه. ومع استمرارها، تتفاقم الضغوط على مختلف المستويات: تصاعد في عنف الميليشيات، تآكل في الموارد المالية للدولة، انسداد سياسي مستمر، واحتمالات متزايدة لانخراط عسكري أميركي أوسع يستهدف فصائل الحشد الشعبي.
ورُغمَ وضوح حجم التحديات، فإنَّ خيارات بغداد تبقى محدودة. فالعوامل الأساسية التي تدفع نحو التصعيد تقع إلى حدٍّ كبير خارج نطاق سيطرة القيادة العراقية، في وقتٍ تبدو إيران أكثر استعدادًا للتعايش مع حالة عدم الاستقرار الإقليمي، بل وتوظيفها، في سياق مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي ظلِّ هذا التشابك، يتحمّل العراق، بحكم موقعه الجغرافي وتشابكاته السياسية والاقتصادية، نصيبًا كبيرًا من كلفة هذا الصراع.
من هنا، يصبح الهدف الأكثر إلحاحًا أمام صانعي القرار في بغداد هو تقليل الأضرار قدر الإمكان، في انتظار انفراج أوسع قد لا يكون قريبًا. ويتطلّب ذلك اتخاذ إجراءات عملية، من بينها حماية البنية التحتية الحيوية، ولا سيما في قطاع الطاقة، والعمل على إيجاد بدائل لتصدير النفط، مثل تفعيل خط أنابيب كركوك–تركيا، إضافة إلى الحد من استخدام الأراضي العراقية كمنصّة لهجمات قد تستجلب ردودًا عسكرية أوسع.
كما تبرز أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية والطاقية مع الدول المجاورة، والبناء على ما تحقق خلال السنوات الأخيرة من انفتاح حذر وثقة متبادلة، خصوصًا مع دول الخليج. ورُغمَ أنَّ هذه الخطوات لن تكون كافية لتحصين العراق بشكل كامل، فإنها قد تُسهِمُ في الحد من تداعيات الأزمة ومنع انزلاق البلاد إلى مزيد من عدم الاستقرار.
في المحصّلة، يعيد هذا المشهد التذكير بأنَّ التحوُّلات الكبرى في المنطقة غالبًا ما تحمل نتائج غير متوقعة. فكما أعاد الغزو الأميركي للعراق عام 2003 تشكيل التوازنات الإقليمية، ومهّد لتوسُّع النفوذ الإيراني، قد تفضي الحرب الدائرة اليوم إلى تداعيات مماثلة في عمقها، يصعب التنبُّؤ بمآلاتها. وفي هذا السياق، يظل العراق أحد أبرز الساحات المرشحة لظهور هذه التحوُّلات، وربما من أكثرها عرضة لصدمات قد تتجاوز قدرته على الاحتواء.
- ريناد منصور باحث أول ومدير مشروع مبادرة العراق في مركز الأبحاث البريطاني “تشاتام هاوس”.
