حين تَسبقُ المعلومة الصاروخ: ولادةُ الحربِ الجديدة من قَلبِ إيران

لم تَعُد الحروب تُحسَمُ بمَن يطلق النار أوّلًا، بل بمَن يعرف أوّلًا. فالضربة الأميركية–الإسرائيلية على إيران تكشف أنَّ المعركة بدأت قبل أن تُرى… وسوف تنتهي قبل أن تُفهَم.

المرشد الراحل علي خامنئي: عملية اغتياله مع قادته كانت معقدة وطويلة.

السفير يوسف صدقه*

تمثّل العملية العسكرية الأميركية–الإسرائيلية التي استهدفت إيران في 28 شباط (فبراير) 2026 نقطة تحوّل مفصلية في مسار الحروب الحديثة، ليس فقط من حيث أهدافها السياسية والعسكرية، بل أيضًا بسبب طبيعة الأدوات التي استُخدمت في تنفيذها. فقد كشفت هذه العملية عن مستوى غير مسبوق من التكامل بين الاستخبارات البشرية والتقنيات المتقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية، وأنظمة الاستشعار الفضائي، وهي أدوات لا تزال معظم القوى الدولية، الأوروبية والآسيوية على حد سواء، تسعى إلى اللحاق بها.

الضربة التي بدأت من الداخل: اختراق النظام قبل استهدافه

وقد بدأت ملامح هذه المواجهة بحدث صادم وغير مسبوق تمثّل في اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، آية الله علي خامنئي، في عملية معقّدة عكست عمق الاختراق الاستخباراتي داخل بنية النظام الإيراني. ووفق المعطيات المتداولة، فإنَّ عملية الاغتيال لم تكن عملًا معزولًا، بل جاءت نتيجة سنوات من الرصد الدقيق وجمع المعلومات، شاركت فيها أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية، وفي مقدمتها وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) وجهاز الموساد.

اللافت في العملية لم يكن فقط تنفيذ الاغتيال، بل القدرة على توثيقه ميدانيًا ونقل صور من موقع الحدث إلى مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب، عبر عنصر بشري يُعتقد أنه كان قريبًا من المجمع الذي وقعت فيه العملية. وفي تطور سريع، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر منصة “تروث سوشيال “(Truth Social) مقتل خامنئي إلى جانب ثلاث شخصيات بارزة من النظام، ما أضفى بُعدًا إعلاميًا ونفسيًا على الحدث، يتجاوز البُعد العسكري المباشر.

في السياق التحليلي، يرى عدد من الخبراء أنَّ نجاح العملية يعكس تطوُّرًا نوعيًا في توظيف الاستخبارات متعددة المستويات. فقد أشار أستاذ العلاقات الدولية في جامعة نوتنغهام، الدكتور دان لويال، إلى أنَّ الجمع بين الاستخبارات التقنية (SIGINT) والبشرية (HUMINT) يمكن أن يحقق نتائج حاسمة حتى في أكثر البيئات تعقيدًا وانغلاقًا. وأضاف أنَّ استهداف شخصية بمستوى المرشد الأعلى يتطلب سنوات من العمل التراكمي، تشمل المراقبة، والتحليل، واختراق الدوائر الضيقة.

من جهة أخرى، كشفت العملية عن هشاشة غير متوقعة في البنية الأمنية الإيرانية، حيث أظهرت قدرة الأطراف المُنفّذة على الوصول إلى مستويات عليا من هرم السلطة، ما يشير إلى وجود اختراقات عميقة، سواء عبر التجنيد البشري أو عبر وسائل تقنية متقدمة. ويُنظر إلى اغتيال خامنئي على أنه جُزءٌ من استراتيجية أوسع للتعاون الأميركي–الإسرائيلي، تهدف إلى تقويض القدرات الاستراتيجية لإيران، وعلى رأسها برنامجها النووي.

وقد تزامن الاغتيال مع مرحلة تمهيدية لعمليات عسكرية لاحقة، تمثّلت في شنّ غارات جوية استهدفت منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، في محاولة لفتح المجال أمام ضربات أوسع وأكثر تأثيرًا. ويؤكد خبراء عسكريون أنَّ هذه الخطوة تعكس نمطًا كلاسيكيًا في الحروب الحديثة، حيث يُسبق الهجوم الجوي بإضعاف منظومات الرصد والدفاع.

وفي هذا الإطار، أشار جيمس فانيل، الخبير والمسؤول السابق في الاستخبارات البحرية الأميركية، إلى أنَّ الولايات المتحدة تمتلك قدرات متقدمة جدًا في مجال جمع وتحليل المعلومات المتعلقة بالقوات الإيرانية، سواء تلك التابعة للحرس الثوري أو الجيش النظامي، وهو ما يمنحها تفوقًا نوعيًا في فهم البنية العملياتية للخصم.

كما أكدت مصادر استخباراتية أوروبية أنَّ التحضير للعملية استغرق وقتًا طويلًا، وشهد تنسيقًا عاليًا، لا سيما في تل أبيب، حيث لعبت وحدة 8200، المتخصصة في الاستخبارات الإلكترونية، دورًا محوريًا في تتبع تحركات القيادات الإيرانية. وقد أسهمت هذه الجهود، إلى جانب المعلومات التي جُمعت من داخل الدوائر العليا للنظام، في تمكين تنفيذ عمليات اغتيال دقيقة استهدفت شخصيات عسكرية وسياسية بارزة.

إلى جانب ذلك، شكّلت الأقمار الاصطناعية عنصرًا حاسماً في العملية، إذ وفّرت مراقبة مستمرة للمواقع الحساسة، بما في ذلك أماكن اجتماعات القيادات. وتُحلَّل هذه البيانات الضخمة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يسمح بتحديد الأهداف بدقة عالية واتخاذ قرارات سريعة على المستوى العسكري.

في المحصلة، تكشف هذه العملية عن نموذج جديد للحرب، تتداخل فيه التكنولوجيا المتقدمة مع العمل الاستخباراتي التقليدي، في مشهد يعيد رسم ملامح الصراع الدولي، ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا في توازنات القوة العالمية.

من العميل إلى الخوارزمية: كيف يُصنع القرار العسكري اليوم؟

يبقى السؤال الأكثر حساسية: كيف نُفِّذت عملية اغتيال المرشد الأعلى فعليًا؟ وهل كانت ضربة خاطفة، أم نتيجة مسار طويل من التراكم الاستخباراتي الذي بلغ ذروته في لحظة محسوبة بدقة؟

تشير المعطيات إلى أنَّ الخيط الحاسم بدأ صباح الخميس، 26 شباط (فبراير) 2026، حين أرسل أحد العملاء المرتبطين بالاستخبارات الأميركية تقريرًا عاجلًا إلى مقر وكالة ال”سي آي إيه” في لانغلي، يفيد بعقد اجتماع طارئ يضم المرشد الأعلى وعددًا من القيادات الإيرانية البارزة. لم يكن التقرير مجرد “معلومة”، بل فرصة نادرة —وربما لن تتكرر— لضرب مركز الثقل السياسي والعسكري للنظام في لحظة تجمعه.

وكما هي العادة في مثل هذه العمليات، لم تُؤخذ المعلومة على علّاتها. فقد سارعت الاستخبارات الإسرائيلية إلى تأكيدها عبر قنواتها الخاصة، وهو ما أطلق سلسلة من الاجتماعات المغلقة في واشنطن. وبعد نحو 11 ساعة فقط من التقييم والتحليل —وهي مدة تبدو قصيرة على الورق وطويلة بما يكفي لتغيير التاريخ— صدر القرار: تنفيذ ضربة تستهدف المرشد ودائرته الضيقة.

لكن ما يبدو قرارًا سريعًا كان في الواقع تتويجًا لتحوُّل أعمق في أساليب العمل الاستخباراتي. فمنذ الهجوم الأميركي–الإسرائيلي المشترك في حزيران (يونيو) السابق، تغيّرت قواعد اللعبة. فمع تزايد مخاوف اختراق الاتصالات الرقمية، جرى تقليص الاعتماد على الوسائل التقنية لصالح إعادة الاعتبار للعنصر البشري. مفارقة لافتة: في عصر الذكاء الاصطناعي، عاد “الإنسان” ليكون الحلقة الأكثر حسمًا.

وفي هذا السياق، يشير الخبير الإسرائيلي عساف أوريون إلى أنَّ الانهيارات الكبرى في الأنظمة لا تبدأ من الخوارزميات، بل من الأشخاص — أولئك القادرين على المراقبة، والتأثير، واتخاذ القرار في اللحظة الحرجة. وهو ما يفسّر، بحسب تقديرات متقاطعة، نجاح الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية في اختراق الحلقة الأكثر قربًا من المرشد، بل وتجنيد عنصر من داخلها.

وتكشف عملية “الأسد الصاعد” (Rising Lion) — كما يسميها بعض المحللين– عن عمق هذا الاختراق. فبحسب الخبير دان لوماس، لم يكن الحرس الثوري مجرد هدف للمراقبة، بل أصبح بيئة قابلة للاختراق العملياتي. بل إنَّ بعض التقارير يُشير إلى أنَّ الاستخبارات الإسرائيلية نجحت، منذ حزيران (يونيو)، في فتح قنوات اتصال مباشرة مع شخصيات إيرانية رفيعة، عارضةً عليها الخروج الآمن من البلاد — عرضٌ يبدو إنسانيًا في ظاهره، وعملياتيًا بامتياز في جوهره.

أما من حيث البنية التقنية، فلم يكن التواصل مع العملاء يتم بوسائل تقليدية. فقد اعتمدت واشنطن وتل أبيب على مزيج معقّد من الرسائل المشفّرة، ومحطات اتصال خاصة قادرة على تجاوز الإنترنت، إضافة إلى خطوط فضائية مؤمّنة — شبكة اتصالات تبدو وكأنها صُمّمت لعالم لا يُراد له أن يُكتشَف.

وبالتوازي مع العمل الميداني، لعبت المؤسسات الاستخباراتية الداعمة دورًا حاسمًا، وفي مقدمتها الوكالة الوطنية للاستخبارات الجغرافية الأميركية  (NGA)، التي وفّرت تحليلات دقيقة وصورًا فضائية عالية الدقة، مكّنت من تحديد الأهداف وتوصيفها بدقة شبه جراحية.

غير أنَّ التحدي لم يكن في نقص المعلومات، بل في فائضها. فبحسب ما نقلته صحيفة “وول ستريت جورنال” عن الخبير جيمس فانيل، تتلقى أجهزة الاستخبارات كمًّا هائلًا من البيانات يفوق القدرة البشرية على المعالجة. وهنا دخل الذكاء الاصطناعي — ليس كبديل من الإنسان، بل كمرشّح ذكي للمعلومة. وقد استعانت الاستخبارات الأميركية بنماذج متقدمة، مثل نظام “كلود” (Claude) الذي تطوره شركة “أنثروبيك” (Anthropic)، لاستخلاص الأهداف الأكثر أهمية من بين بحر من الإشارات والاحتمالات.

ولم يتوقف الأمر عند التحليل، بل امتد إلى التنفيذ. فقد اعتمدت وزارة الدفاع الأميركية على أنظمة متقدمة — يُشار إليها في بعض التقارير باسم “Logical” أو نماذج مشابهة — قادرة على تحديد خصائص الهدف بدقة، من موقعه الهندسي إلى سماكة الخرسانة المسلحة فيه، بما يسمح باختيار الذخيرة المناسبة ونقطة الإصابة المثلى. ووفق هذه المعايير، جرى استهداف المبنى الذي كان يضم المرشد.

النتيجة كانت حملة عسكرية مكثفة وغير مسبوقة. ففي الأيام الأربعة الأولى وحدها، تم استهداف نحو 2000 موقع داخل إيران، بما في ذلك تدمير عشرات القطع البحرية، من سفن حربية وغواصات. وفي المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ ما يقارب 1000 ضربة في يوم واحد — رقم يبدو أقرب إلى وصف ““فيض ناري” منه إلى عملية عسكرية تقليدية.

وبحسب تقديرات نشرتها مجلة “إيكونوميست”، فإنَّ هذا التصعيد لم يكن عشوائيًا، بل جاء ضمن تخطيط مشترك عالي التنسيق بين واشنطن وتل أبيب، حيث تداخلت القدرات الاستخباراتية مع القوة النارية في نموذج عملياتي يعكس ملامح الحروب المقبلة: كثافة في المعلومات، سرعة في القرار، ودقة في التدمير.

وهكذا، إذا بدا الاغتيال لحظة خاطفة، فهو في الحقيقة نتيجة سنوات من العمل الصامت — عملٌ لا يُرى، حتى لحظة يصبح فيها الحدث نفسه مستحيلًا على التجاهل.

حرب بلا زمن: حين تختفي المسافة بين المعلومة والضربة

لم يكن الهجوم تتويجًا لقرار لحظي، بل نتيجة مسار تخطيطي طويل بدأ فعليًا في صيف العام السابق، عقب عملية “الأسد الصاعد” التي شكّلت نقطة اختبار حاسمة لقدرات الاختراق والتنسيق بين واشنطن وتل أبيب. منذ تلك اللحظة، دخلت العملية طور الإعداد الاستراتيجي، حيث جرى الانتقال من جمع المعلومات إلى بناء سيناريو ضربة شاملة متعددة الجبهات.

وفي كانون الثاني (يناير) 2026، برزت ملامح هذا التنسيق بشكل أوضح مع زيارة رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير إلى البنتاغون، في خطوةٍ عكست مستوى غير مسبوق من التكامل العملياتي بين الطرفين. لم تكن الزيارة بروتوكولية، بل حملت طابعًا تنفيذيًا، حيث تم خلالها توزيع الأدوار بدقة: إسرائيل تتولى استهداف طهران والمراكز الحيوية المرتبطة بقيادة النظام، فيما تتكفل الولايات المتحدة بضرب الجنوب الإيراني والمياه الإقليمية، مع تركيز إسرائيلي إضافي على غرب ووسط البلاد.

هذا التقسيم لم يكن جغرافيًا فقط، بل عكس أيضًا توزيعًا للقدرات: تفوُّق إسرائيلي في العمل الاستخباراتي الدقيق داخل العمق الإيراني، مقابل قوة أميركية في الضربات بعيدة المدى والسيطرة البحرية. والنتيجة كانت مشهدًا عملياتيًا أقرب إلى “حرب مُدارة خوارزمياً”، حيث تتكامل الأدوار ضمن منظومة واحدة.

في قلب هذا الأداء، برز اعتماد الولايات المتحدة على مفهوم عسكري قديم–متجدد، هو نموذج “أودا لوب” (OODA Loop)، الذي طوّره العقيد في سلاح الجو الأميركي جون بويد. يقوم هذا النموذج على أربع مراحل متسلسلة: المراقبة  (Observe)، التوجيه أو التحليل (Orient)، اتخاذ القرار (Decide)، ثم التنفيذ  (Act). لكن القيمة الحقيقية لهذا النموذج لا تكمن في مراحله بحد ذاتها، بل في سرعة دورانه — أي القدرة على استباق الخصم عبر تقليص الزمن بين المعلومة والقرار والتنفيذ.

وقد بدا واضحًا أنَّ هذا المفهوم طُبّق بشكل مكثف خلال العمليات، حيث تمَّ دمج بيانات الأقمار الاصطناعية، والمصادر البشرية، والإشارات الإلكترونية في منظومات تحليل مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ما أتاح اتخاذ قرارات شبه فورية وتنفيذ ضربات دقيقة قبل أن يتمكّن الطرف المقابل من استيعاب ما يجري، فضلًا عن الردِّ عليه.

الهجوم، في مجمله، لم يكن مجرد استعراض قوة، بل إعلان عن دخول مرحلة جديدة في طبيعة الحروب. فقد أظهر بوضوح قدرة واشنطن وتل أبيب على الدمج بين الرصد الاستخباراتي العميق والتكنولوجيا المتقدمة، في نموذجٍ عملياتي يعتمد على “تفوُّق المعرفة” بقدر اعتماده على “تفوُّق النيران”.

الأهم من ذلك، أن هذه العملية كشفت فجوة متزايدة بين هذا النموذج الجديد وبين القدرات التقليدية لدى قوى كبرى أخرى، بما في ذلك دول أوروبية، وكذلك الصين وروسيا. فالتفوُّق لم يعد يُقاس فقط بعدد الطائرات أو الصواريخ، بل بقدرة الأنظمة على جمع البيانات، وتحليلها، وتحويلها إلى قرارات ميدانية في زمن قياسي.

وفي هذا السياق، من المرجح أن تشكّل هذه العملية لحظة إعادة نظر عالمية في العقائد العسكرية السائدة. إذ ستجد الدول نفسها مضطرة إلى إعادة الاستثمار في مجالات الاستخبارات، والذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية، ليس فقط لمجاراة هذا النموذج، بل لتفادي الوقوع ضحية له.

هكذا، لا تبدو الضربة على إيران مجرد حدث عسكري عابر، بل محطة تأسيسية في تاريخ الصراعات الحديثة — حيث لم يعد السؤال من يملك القوة الأكبر، بل من يملك القدرة الأسرع على فهم ساحة المعركة… والتحكُّم بها.

Exit mobile version