هنري زغيب*
بين الإِيمان حياديًّا ومزاولته طُقُوسيًّا: عملٌ إِراديٌّ يَجمع النظريةَ إِلى تطبيقها.. هذا الإِيمان ينطبق على ثلاثة: الدِين والحُب والوطن.. وإِذا الإِيمانُ بالدِين يعود إِلى الفرد المؤْمن، وبالحُب يعود إِلى الفَردَين: المرأَة والرجل، فالإِيمان بالوطن يعود إِلى الجميع.. لا يستقيم تطبيقُه إِلَّا إِذا تعمَّم في الوطن شعبًا وأَرضًا وانتماءً إِلى الهوية.. هنا الفرق بين القَول بالإِيمان وفعل اعتناقه.. الإِيمان بالدِين يُوجب مزاولةَ طقوسه فعليًّا بممارساتٍ تُعَمِّقُه في الفَرد.. والإِيمان بالحُب يُوجب التزامًا ثُنائيًّا صارمًا بطقُوس الوفاء تُلْزمُ الاثنَين مستوًى واحدًا من السلوك.. والإِيمان بالوطن يُوجب جَماعيًّا فروضَ الولاء له وحدَه دون أَيٍّ سواه، مهما تعاظَم شأْنُ هذا السوى.
قلَّةُ المزاولة في الدِين: هرطَقةٌ تؤَدِّي إِلى الكُفْر.. قلَّةُ الوفاء في الحُب: نزوةٌ رعناءُ تؤَدّي إِلى الانفصال.. قلَّةُ الولاء للوطن: خيانةٌ عقوبتُها المحاكمة.. جُلُّ العطَب في لبنان أَنَّ في أَبنائه مَن يستعيرون له صفةً من خارجه، أَو يَنتمون إِلى هوية ليست له فيُعيرون الخارج كرامتَهم الوطنية.. وهل ما يُرجى ممَّن يرضى أَن يكون حبَّة مسلوبة الإِرادة في مسبحة السوى؟
الـمَفْصل هنا، أَلَّا يُعطَى لبنان الوطن هويةً إِلَّا به ومنه.. لذا أُشدِّدُ دائمًا على عبارة “لبنان اللبناني”، وأَن نَعتَنِقْ لبنان الوطن بصلابة الإِيمان.. ومهما تَشَدَّق الإِيديولوجيون والمتأَدلجون بتبرير انتماءَاتٍ خارجَ هوية لبنان، ليس لهم من الخارج إِلَّا استعبادهم، واستخدامهم أَرقامًا رخْوةً في حسابات السوى.. هؤُلاء لا يستحقُّون شرفَ الانتماء إِلى طائفة الهوية اللبنانية التي ليست بطاقةً يحملُونها للتعريف بهم، ولا جوازَ سفَرٍ عليه أَرزةُ لبنان، يَستخفُّون به، أَو يُهَزِّئُونه ويُهَزِّئون مَن يؤْمنون به.. الذين يُنكرُون هويتَهم وينْتمُون إِلى أُخرى، خَرجُوا في وطنهم من كرامتهم، ولن يَعتبرَهم السوى من مواطنيه.. إِنهم تائهونَ في صحراء اللامكان.
ما يوحِّد الوطن: عَلَمُهُ ودولتُه.. العَلَمُ شرَف، والدولةُ جهاز.. وإِذا تعديلُ العلَم ممنوع، فتعديلُ السُلطة ممكنٌ يومَ الانتخابات: معاقبة الفاسدين والمشبوهين بحرمانهم من العودة إِلى مفاصل الحكْم لأَنهم يُفسدون الدولة.. ومتى فسُدَت الدولة، ضعُفَت وأَمسَت عرضة للتطاول الداخلي والخارجي، وتاليًا تصبخ دولة قاصرة أَو فاشلة، أَو مريضة ينهشُها سرطانٌ لا شفاء لها منه، مَقْتَلُهُ هيمنةُ حُكْمٍ من خارجها، يَتولَّاها بأَوامره وسُلْطته واحتلاله إِياها، وفَرْضِه عليها ما لا تُطيقُه لكنَّها تُذعن له بسبَب ضعفها.
هل هذا ما يطلبُه المشكِّكون بين أَبناء لبنان: أَن يَؤُولَ لبنان إِلى أَندلس ثانية أَو فلسطين أُخرى؟ هل يجعلون من ولاءَاتهم للخارج أَحصنةَ طروادة تُفَجِّر الدولةَ من الداخل، وتُشتِّت أَبناءَها نُزوحًا أَو تهجيرًا أَو هجرة؟ التشكيكُ بالدولة آفةٌ سبَبُها ناخبون فيها أَغناميون أَو مستزلمون أَو مُغْرضون أَو لا يُؤْمنون بالهوية اللبنانية.. والتشكيكُ بالجيش مرَضٌ يُعدي ضِعاف المناعة اللبنانية.
هذه المناعةُ لا تقوى إِلَّا بالإِيمان وحدَه: الإِيمان المطلق بلُبنانيَّة لبنان الوطن.. مَن لا يؤْمن بها، لا يستحقُّ حمايةَ الدولة، ولا ثقةَ السلطة، ولا شرَف المواطنية، ولا كرامةَ العَلَم اللبناني، ولا قُدسيةَ الهوية اللبنانية في بطاقته وعلى جواز سفَره.
لبنانيةُ لبنان: جميعُنا شهودٌ لها. وكلُّنا إِيمانٌ واحدٌ بكُنوز وطننا الحضارية والتاريخية والأَثرية والإِبداعية. مَن ليس بهذا الإِيمان ليس منَّا، فَلْيَخْرُج عنَّا.. كان غسَّان تويني يردِّد ما كانت على أَيامه “حربَ الآخرين على أَرضنا”.. وها اليومَ لبنانُ، لبنانُنا الفريدُ بعطاءاته وتراثه ومبدعيه، يتعرَّض لحربٍ مدمِّرةٍ يَصعقُنا بها ضالعون ومسبِّبون، ولا خيارَ لنا إِلَّا التشبُّث والتشبُّه: التشبُّثُ بإِيمانٍ لا يُزعزعه عدوٌّ أَو مشكِّكٌ أَو يوضاسيٌّ أَو پــيتانيٌّ (نسبة إِلى المارشال پــيتان). فَلْنَتَشَبَّهْ هنا بجنوبيين خصوصًا، ولبنانيين عمومًا، يواجهون الوَحش ولا يكْفرون بهويتهم اللبنانية.. إِنهم باقون على إِيمانهم بلبنان، وإِيمانهم هو الذي سيُنقذُهم ويُنقذُنا وينقذُ لبنان.
الإِيمانُ حياديًّا عقيم، ومزاولةُ طقوسه تُعمِّق الخلاص به. فَلْنُزاوِلْ لبنانيتَنا، بنا وبمَن حولَنا، كلٌّ من موقعه، ولْنَعتَنقْها من دون وقائع ملموسة، وبِقُوَّةٍ تجعلُنا موحَّدين بعَلَمٍ واحدٍ، وبهويةٍ واحدةٍ توطِّد إِيماننا، وتَطرُد من بيننا الكُفَّار والفرِّيسيين وجميع تجَّار الهيكل.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).
