الجيش وحدَهُ بَلْسمُ الجُروح بعد النزوح

هنري زغيب*

لا ينفَعُ أَيُّ كلام بعد اليوم، تعزيةً أو تعاطُفًا في فجيعة الخسارة، لـمخاطبة نعشٍ أَبيضَ في القليعَة يترنَّح فيه جثمان كاهن الرعية على أَكُفِّ شبابٍ مفجوعين، ولا لمخاطبة شابٍّ يجتمع حول نعشه رفاقُ بلْدته علْما الشعب، ولا لِمسعفٍ في الصليب الأَحمر سقطَ وهو يقوم بواجبه النبيل في مجدل زون، ولا لثلاثة شبَّان أَبرياء سقَطوا في عين إِبل، ولا لأَكاديميَّيْن عالِمَيْن في حرَم الجامعة اللبنانية، ولا لأَيِّ من سقَط ضحيةً أَو شهيدًا، صعقًا بانقضاضِ العدوِّ الوحش وهو يجتاح أَقمارًا وفضاءَات من لبنان.

ولكنْ… إِنْ لم يَعُدْ من كلامٍ ينفَع لِمُخاطبة مَن سقَطوا، فالكلام الناجعُ يبقى لِمن لا يزالون يعانُون من خوف وقلق وغضب وتهجير، ونزوحٍ لا يراه أَحدٌ إِلَّا مُوَقَّتًا بعناد، مهما تمطَّتْ مدَّةُ الإِقامة الـمُستعارة: لدى أَقرباء وأَصدقاء، أَو في بيوتِ لجوء، أَو لدى مراكزَ لإِيواء غرباء بين غرباء في غرف باردة غريبة.

في لحظات الخروج الحزين من علْما الشعب، رأَيتُ رئيس بلديتها شادي نايف صيَّاح مُصرًّا على مقولته الصامدة: النداء إِلى الدولة والجيش، للعودة الأَكيدة إِلى كل شبْرٍ من تراب علْما الشعب. وسمعتُ أَكثرَ من نازحٍ ومُهَجَّر، وأَكثرَ من مواطنٍ جنوبيٍّ صامدٍ في بلدته، ينادُون بالجيش يَحميهم إِبَّان الحرب وبَعد الحرب: نداءٌ هو الصوتُ الواحدُ الأَحد: جيشُ لبنان في حمى الدولة.

لستُ أَكتب هنا تقريرًا صحافيًّا، ولا تحليلًا سياسيًّا، لأَلُوم “مَن” و”ما” و”كيف” و”لو” و”كان يجب أَن”،… التحليلُ ليس من شأْني. والكتابةُ السياسية لا تعنيني. أَنا شأْني هنا هذا النداءُ الموحَّد المتصاعد المتزايد لدى الجميع إِلى جيش لبنان، إِلى الإِيمان به، والكُفْرِ الصارخ الغاضب بكُلِّ مَن يُشَكِّك في جيش لبنان.

كلُّ مواطنٍ، سليمِ النية والهوية والطوية والانتماء، يُدرك واعيًا أَنْ وحدَهُ الجيشُ يُبَلْسمُ الجُرُوح، اليوم وما بعد النُزُوح، ويُغذِّي الطُمُوح إِلى وطن متصالح، أَبناؤُه يتعاونون، يتضامنون، يتعانقون، يتكاتفون، يتخاصرون، ويتماسكون لبنائه نقيًّا من اليوضاسيين، طالعًا إِلى غدٍ مُشْرقٍ كمحيَّا شبَّانه وصباياه طافحًا بأَملٍ يتصلَّب في إِيمانه بلبنان… لبنان اللبنانيّ الرافض كلَّ صفةٍ أَو نعتٍ إِلَّا به هو وحدَه. وحدَه؟ نعم. طبعًا وحدَه جيش لبنان: لا سواهُ الملاذ والخلاص، هو الـمُقْسِمُ على الولاء للُبنان، كلِّ لبنان مهما توزَّعتْ محليًّا انضواءَاتُ أَبنائه… السياسيون جماعاتٌ وفئاتٌ وهواةُ انتماءَاتٍ إِلى حظائرهم، ووحدَه جيشُ لبنان لا يتجزَّأُ ولا يتوزَّع، فهو أَبدًا واحدُ الإِيمان، واحدُ التنْشئَة، واحدُ القَسَم والهُويَّة، واحدُ الانتماء من الجندي العادي إِلى قائده الأَعلى، موحَّدٌ في خدمة لبنان، كلِّ لبنان حتى آخر شبرٍ من أَرضه، وجميعِ اللبنانيين حتى آخرِ طفلٍ لهم، واحدُ الشرف والوعد والوفاء والتضحية، كلُّ عسكريٍّ فيه يَفي قَسَمَه مُشَرِّفًا إِياه يوميًّا، لا تَطلُّعَ له إِلَّا إِلى فوق، إِلى الأَرزة الواحدة الـمُشعَّة على جبينه كما على خُوذَته المقدَّسة.

هكذا فَلْيَكُن ولاؤُنا ووفاؤُنا لجيش لبنان، حامي الوطن، حامي الدولة، حامي الشعب. مَن غفَلوا عنهُ فَلْيَنْهضوا معه. مَن شكَّكوا فيه فَلْيَتُوبوا إِليه.مَن أَساؤُوا به الظنَّ فَلْيَسْتعيدوا ظَنَّهم ثابتًا كثُبُوت كلِّ خطوةٍ من كلِّ جنديٍّ وضابطٍ وقائدٍ في جيش لبنان.

هو هذا إِيمانُنا، ولْيَكُن هذا إِيمانَكم: تنبَّهوا إِلى سياجهِ حولَكُم، حاميكُم وراعيكُم. لا يَضْعُفَنَّ إِيمانُكُم بالجيش. له اعتباراتُه الآنيَّة في ظروف آنيَّة، لكنه منكُم، وباقٍ لكُم ومعكُم. وعند انقشاع هذه الغُمَّة السوداء عن فضاء لبنان، لن يكونَ لكُم سواه شمسَ أَمانٍ وطُمأْنينة. لن يطولَ النُزُوح. لن يتمطَّى الزمنُ الغاصبُ القاهرُ. لن يتناسلَ هذا الليل. وحين تنكسرُ الأَظفارُ الوحشية، لن تكونَ لكُم إِلَّا يدُ الجيش تمتدُّ إِليكم حتى تناموا ولا قَلَق، ويسهرَ هو ولا تَمنين، ليَبْني لكُم ومعكُم وطنًا يَليق بطُموحاتكُم، فيكونَ هو الوجهَ الذي إِليه تلْتفتون وأَنتُم تصَلُّون: “إِحمِهِ يا ربّ، كي نَستاهلَ نعمةَ العيش الهنيّ في رُبوع لبنانَ اللبنانيّ”.

Exit mobile version