غادة العريضي*
في الشرق الأوسط، لا تتحرّك الأقليات في فراغٍ سياسي، بل في مساحةٍ مزدحمة بحسابات القوى الكبرى والإقليمية. وبينما تتبدّلُ الأولويات الدولية وتُعادُ صياغة خرائط النفوذ، تجِدُ مكوّناتٌ مثل الأكراد والدروز والمسيحيين والعلويين والآشوريين والسريان نفسها في قلبِ مُعادلاتٍ تتجاوز مطلب الحماية إلى سؤال الموقع في الدولة، والوزن في الاقتصاد، والدور في التوازُنات الإقليمية. المسألة لم تَعُد أمنية فحسب، بل باتت جيوسياسية–اقتصادية بامتياز: مَن يحمي؟ ومَن يُقرّر؟ ومَن يدفع الثمن عندما تتغيَّرُ المصالح؟
التجربة الكردية تُقدّمُ نموذجًا صارخًا لهذه الإشكالية. فمنذُ تكريس واقعٍ خاص في شمال العراق بعد حرب الخليج الأولى، وصولًا إلى الدعم الأميركي للقوات الكردية في سوريا خلال معركة عين العرب (كوباني) عام 2014، بدا أنَّ واشنطن منحت الأكراد دورًا محوريًا في استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب وترتيب شرق الفرات. غير أنَّ هذا الدعم ظلَّ محكومًا بسقفٍ أوسع يتّصل بعلاقة الولايات المتحدة بتركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبحسابات التوازن مع إيران، وبأمن إسرائيل. لذلك، لم يكن مُستغربًا أن يترافق أيُّ تقارب كردي–دمشقي أو إعادة تموضع أميركي مع موجة قلق داخل الأوساط الكردية من احتمال تكرار تجارب سابقة تأرجح فيها الدعم الدولي وفق مقتضيات المصالح.
تركيا، من جهتها، تنظر إلى المسألة الكردية باعتبارها ملفًا أمنيًا وجوديًا يتصل مباشرة بأمنها القومي ووحدة أراضيها. ولذلك سعت أنقرة، سياسيًا وعسكريًا، إلى منع قيام كيان كردي مُتَّصل جغرافيًا على حدودها الجنوبية. هذا الموقف التركي يضعها في موقع لاعبٍ رئيس في أيِّ تفاهم يتعلّق بمستقبل شمال سوريا، ويجعل العلاقة بين أنقرة وواشنطن عاملًا حاسمًا في تحديد سقف الطموحات الكردية. وفي كلِّ مرة يتقدّم فيها مسارُ تفاهُمٍ داخلي بين القوى الكردية والسلطة في دمشق، تبرز تساؤلات حول مدى تقاطع هذا المسار مع المصالح التركية أو تَعارُضه معها.
في المقابل، لا يمكن إغفال الدور الإسرائيلي الذي ظهر بوضوح في التصريحات السياسية الرافضة لبعض التفاهمات الداخلية في سوريا، ولا سيما تلك التي قد تُعيدُ دمج قوى محلية ضمن بنية الدولة المركزية. تاريخيًا، طُرِحَ في الأدبيات السياسية مفهوم “حلف الأقليات”، وهو مفهومٌ يُنسَبُ إلى استراتيجيات إسرائيلية سعت إلى بناء قنوات اتصال مع مكوّنات غير عربية أو غير سنّية في محيطها، بهدف خلق توازنات إقليمية تُخفّف الضغط عنها. وفي الحالة السورية، تُقرَأ المواقف الإسرائيلية على أنها تخشى من تسوياتٍ داخلية تُعزّز وحدة الدولة وتحدُّ من فُرَص إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية بما يخدم حسابات الردع والأمن.
غير أنَّ الرهان على أيِّ دعمٍ خارجي، سواء كان أميركيًا أو تركيًا أو إسرائيليًا، يبقى محفوفًا بالمخاطر. فالدول تتحرّك وفق مصالحها القومية أوّلًا: أمن الحدود، موازين القوى، خطوط الطاقة، وشبكات النفوذ. وقد تتقاطع هذه المصالح مرحليًا مع تطلُّعات أقلية مُعينة، لكنها قد تتباعد بسرعة عندما تتبدّل الأولويات. هذا ما يُفسّر التحذيرات التي يطلقها بعض القادة الأكراد من مغبّة رفع سقف المطالب في لحظةٍ إقليمية مشتعلة، خصوصًا مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، حيث يمكن أن تتحوّلَ الساحة السورية إلى صندوق بريد للرسائل المتبادلة.
في الجنوب السوري، تكشف أحداث السويداء عن هشاشة الوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه بعض المناطق ذات الغالبية الدرزية. فالمحافظة تعاني من أزمات معيشية خانقة، تراجُع في الخدمات، وضُعف في مؤسسات الدولة، ما جعلها أرضًا خصبة للتوتر. وفي ظل هذه البيئة، برزت أصواتٌ تراهن على حماية إسرائيلية أو تلوّح بخيارات انفصالية، مُستندةً إلى شعورٍ عميق بالقلق وانعدام الثقة. غير أنَّ التجربة الإقليمية تُظهر أنَّ الكيانات الصغيرة، في محيطٍ مضطرب، تُواجه تحدّيات قاسية تتعلّق بالاعتراف الدولي، واستدامة الاقتصاد، وتأمين العملة والتمويل، فضلًا عن ضمان الأمن في مواجهة ضغوط الجوار.
اقتصاديًا، فإنَّ أيَّ مسارٍ يؤدي إلى تفكيك السوق السورية سيضاعف كلفة إعادة الإعمار ويُضعِفُ قدرة أيّ كيانٍ ناشئ على جذب الاستثمارات. فالمستثمر يحتاج إلى سوقٍ مُوحدة، ونظام قانوني مستقر، وبنية تحتية مُتَّصلة. أما التشظّي، فيعني ارتفاع المخاطر وتراجع الجاذبية الاستثمارية. كما إنَّ موقع سوريا الجغرافي، بوصفها عقدة ربط بين الخليج وتركيا وأوروبا، يمنحها قيمة استراتيجية في مشاريع النقل والطاقة، وهي قيمة تتآكل كلما تعمّق الانقسام الداخلي.
في ضوء ذلك، يبدو أنَّ التحدّي الحقيقي أمام الأقليات في سوريا والمنطقة ليس في اختيارٍ محورٍ خارجي بقدر ما هو في إعادة صياغة علاقتها بالدولة. فالحماية الأكثر استدامة لا تأتي من اصطفافٍ إقليمي عابر، بل من عَقدٍ اجتماعي داخلي يضمن الحقوق الثقافية والإدارية والسياسية ضمن إطار وطني جامع. اللامركزية المُوَسَّعة، والمشاركة الفعلية في القرار، والتنمية المتوازنة، قد تكون أدوات أكثر فعالية من رهانات الحماية التي قد تتحول، عند أول تغيُّرٍ في الموازين، إلى ورقة تفاوض على طاولة الكبار.
في النهاية، تبقى إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة أطرافًا مؤثّرة في المشهد السوري، كلٌ وفق مصالحه وحساباته. لكن مصير الأقليات لن يُحسَمَ في العواصم الخارجية وحدها، بل في قدرة السوريين أنفسهم على إنتاج صيغة دولة تستوعب تنوّعهم وتحوّله من عنصر توتر إلى رافعة استقرار. وبين ضغط المصالح الدولية ومخاطر الاستغلال الإقليمي، يظل الرهان على دولةٍ قابلة للإصلاح أقل كلفة من الارتهان لمعادلات مؤقتة قد تتغيّر بتغيّر الرياح السياسية. ولهذه الأسباب يدعو الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط دروز سوريا إلى التمسُّك بهويتهم العربية، ويرفض استغلالهم كأقلية لإثارة الفتن أو الرهان على حماية إسرائيل. وفي المحصّلة، المطلوب الاحتكام إلى العقل والحكمة.
- غادة العريضي هي إعلامية لبنانية.
