في لحظةٍ تتقاطَعُ فيها الاحتجاجات الداخلية مع تراجُع النفوذ الإقليمي، تُواجِهُ إيران ضغوطًا غير مسبوقة تُعيدُ رَسمَ معادلة الصراع مع واشنطن. وبين التهديد العسكري وإبقاء باب التفاوض مواربًا، يختبر دونالد ترامب حدود قدرة طهران على الصمود والتكيُّف.
الدكتورة صَنَم وكيل*
بعد أسابيع من الاحتجاجات العنيفة التي اجتاحت مدنًا إيرانية عدة، وما رافقها من اضطرابٍ واسع شملَ قطعَ الإنترنت والاتصالات، وتشديدَ القبضةِ الأمنية، وتداوُلَ تقارير عن سقوط قتلى ومستويات غير مسبوقة من القمع، وجدت طهران نفسها، ومعها المنطقة بأكملها، تحت وطأةِ حالةِ ترقُّّبٍ مَشحونة. فقد ساهمت التهديدات المتكررة الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشنِّ ضربات عسكرية في حالِ تصاعُدِ العنف وسفك الدماء، في إبقاءِ المشهد مفتوحًا على احتمالاتٍ خطرة وغير محسومة.
ولا يُمكن التعامل مع هذه المظاهرات بوصفها مجرّدَ موجةِ احتجاجٍ اعتيادية أو تعبيرًا تقليديًا عن التذمُّر الشعبي. فهي تُمثّلُ أحد أخطر التحديات التي واجهت الجمهورية الإسلامية منذ سنوات، سواء من حيث اتساع رقعتها الجغرافية، أو تنوُّع الشرائح الاجتماعية المنخرطة فيها، أو مستوى العنف الذي واجهت به الدولة المتظاهرين، وهو ما كشفَ بوضوح حَجمَ القلق الذي استبدَّ بالقيادة. ومن خلال تحذيراته الصريحة لقادة إيران من مغبّة قتل المُحتجّين أو اللجوء إلى الإعدامات، بعثَ ترامب برسالةٍ مفادها أنَّ القمعَ الداخلي لم يَعُد شأنًا محلّيًا مُحَصَّنًا من التداعيات الخارجية.
ورُغمَ تراجُعِ البيت الأبيض عن خيار العمل العسكري في اللحظات الأخيرة من مساء الأربعاء، فإنَّ التهديدَ باستخدام القوة لم يُسحَب من المعادلة. بل يَنسجِمُ هذا التردُّد المحسوب مع أسلوب ترامب القائم على إبقاء باب التصعيد مفتوحًا، مع الحفاظ على عنصر المفاجأة وحرية التحرُّك في التوقيت والأسلوب. وفي الوقت الذي خفتت حدّة الاحتجاجات تحت ضغط القمع، يتزايد اعتقادُ كثيرين داخل إيران وخارجها بأنَّ استمرارَ الضغط الخارجي، وخصوصًا الأميركي، يُشكّلُ عاملًا أساسيًا لمنع النظام من إعادةِ لملمة صفوفه والعودة إلى أنماط سلوكه التقليدية.
تأتي تحذيرات ترامب في لحظةٍ تبدو فيها إيران أكثر هشاشةً على المستوى الاستراتيجي مما كانت عليه منذ أعوام. فمنذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، أسهمت الضربات الإسرائيلية المتلاحقة ضد ما يُعرَف بـ”محور المقاومة” في إضعاف شبكة النفوذ الإقليمي لطهران، فيما كشفت المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران، والتي تخللتها أيضًا ضربات أميركية استهدفت منشآت نووية إيرانية خلال صيف العام الماضي، حدود القدرة الإيرانية على الردع والدفاع، وعَرَّت جوانب طالما سعت القيادة إلى إخفائها.
وتضيف الاحتجاجات الداخلية طبقةً جديدة من هذا الضعف المُرَكّب، إذ تتقاطع الخسائر الإقليمية مع ضغوطٍ سياسية واقتصادية متزايدة في الداخل، ما يفتح ثغرةً تسعى واشنطن اليوم إلى استثمارها. ومن هنا، فإنَّ مقاربة استراتيجية ترامب تجاه إيران لا يمكن اختزالها في تصريحاتٍ متفرِّقة أو تحرُّكات تكتيكية آنية، بل تستوجب قراءة أعمق لكيفية سعي الإدارة الأميركية إلى تحويل هذا التآكل المتراكم في القوة الإيرانية إلى تحوُّلٍ استراتيجي طويل الأمد يخدم المصالح الأميركية.
في ولايته الثانية، يواصل ترامب المزج بين حسابات استراتيجية باردة ونزعته المعروفة إلى ممارسة الضغط والتصرّف بقدرٍ عالٍ من عدم القدرة على التنبؤ. وعلى خلاف ما قد يبدو عليه هذا النهج، فإنه لا ينطلقُ من الارتجال أو الدوافع الإيديولوجية بقدر ما يستندُ إلى ركائز واضحة في مقاربة الأمن القومي الأميركي، وفي مقدمها التنافس الاستراتيجي، والردع عبر استعراض القوة، ورفض مبدَإِ ضبط النفس بوصفه قيمةً قائمة بذاتها. الهدف هنا ليس تغيير النظام الإيراني بالصيغة الكلاسيكية، بل فرض إخضاع استراتيجي يضع القيادة أمام خيارات محدودة: قبول قيود دائمة على البرنامج النووي، والانكفاء عن أدوارها الإقليمية، والتسليم بأنَّ الولايات المتحدة تحتفظ باستعداد دائم للتصعيد المفاجئ عند تجاوز الخطوط الحمراء.
وفي المحصّلة، يبدو أنَّ مستقبل إيران —سواء اتجه نحو جولاتٍ جديدة من الاحتجاجات تُواجَه بالقمع، أو مرحلة مراجعة وإعادة ضبط داخلية، أو حتى سيناريوهات أكثر دراماتيكية— بات مرتبطًا على نحوٍ مُتزايد بكيفية اختيار واشنطن استخدام أدوات الضغط، أو الامتناع عنها، في الأشهر المقبلة.
برز أحد أكثر التحوُّلات دلالة في مقاربة إدارة ترامب من خلال السعي العلني لربط القمع الداخلي في إيران بكلفة خارجية مباشرة. فمنذ اندلاع الاحتجاجات، وجّه ترامب تحذيرات متكررة إلى طهران مفادها أنَّ اللجوءَ إلى القتل الجماعي أو الإعدامات لن يمرَّ من دون ثمن، ملمّحًا بوضوح إلى أنَّ استخدامَ القوة يبقى خيارًا مطروحًا. ويعكس هذا الخطاب محاولة مُتَعَمَّدة لإعادة تعريف القمع الداخلي بوصفه مسألةً ذات تبعات دولية، خصوصًا في لحظة يرزح فيها النظام تحت ضغوط إقليمية واقتصادية خانقة. وبهذا المعنى، عملت واشنطن على تقويض الخط الفاصل الذي طالما سعت إيران إلى ترسيخه بين أدوات الإكراه الداخلي ومبدَإِ المساءلة الخارجية.
في موازاة ذلك، ظلّ البرنامج النووي الإيراني في صلب الحسابات الاستراتيجية لترامب. ففي الثاني والعشرين من حزيران (يونيو) من العام الماضي، نفذت الولايات المتحدة ضربات مباشرة استهدفت منشآت نووية إيرانية ضمن عملية “مطرقة منتصف الليل” حملت دلالة تصعيدية واضحة، شكّلت محطةً مفصلية في مسار الجهود الرامية إلى سدِّ أيِّ مَنفذٍ عملي أمام طهران لامتلاكِ قدراتٍ نووية. ولاحقًا، أعلن ترامب أنَّ البرنامج النووي الإيراني قد دُفِنَ فعليًا، في تعبيرٍ يعكس قناعة الإدارة بأنَّ مزيجًا من الضغط المستمر، والعمل العسكري الإسرائيلي خلال حرب حزيران (يونيو)، والعمليات السرية، والحرب الإلكترونية، قد دفع إيران إلى موقعٍ استراتيجي ضيِّق ومُقيَّد.
أما الضغط الاقتصادي، الذي لطالما مثّلَ حجر الزاوية في سياسة ترامب تجاه إيران، فقد اتخذ أبعادًا أوسع وأكثر حدّة. فإلى جانب منظومة “الضغط الأقصى” التي فُرِضَت عقب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، طرحت الإدارة الأميركية فكرة فرض تعريفة جمركية بنسبة 25 في المئة على أيِّ دولةٍ أو شركة تُواصِلُ التعامل التجاري مع طهران. ويشير هذا التوجُّه إلى انتقالٍ واضح من العقوبات المالية التقليدية إلى سلاح العقوبات التجارية. ومن خلال التلويح بحرمان الأطراف الثالثة من الوصول إلى السوق الأميركية، تسعى واشنطن إلى تضييق الخناق على أيِّ دعمٍ اقتصادي مُحتَمل لإيران، وفرض تكاليف تراكمية تزيد من وطأة الخسائر الإقليمية وتفاقم الضغوط الاقتصادية في الداخل الإيراني.
تظلُّ الإشارات العسكرية عنصرًا محوريًا في هذا المشهد المتحرّك. فوفق التقارير المتداولة، تتجه مجموعة حاملة الطائرات الأميركية “يو أس أس لينكولن” نحو المنطقة، في وقتٍ يلفُّ الغموضُ توقيتَ أيِّ تحرُّكاتٍ عسكرية إضافية ونطاقها وأهدافها النهائية. وينبع هذا النهج من قناعةٍ راسخة لدى ترامب بأنَّ إيران دأبت على إساءة تقدير مستوى العزم الأميركي، بدءًا من افتراضها عام 2018 أنَّ واشنطن لن تنسحبَ من الاتفاق النووي، مرورًا بخطَإِ حساباتها في العام 2020 عندما أقدمت الولايات المتحدة على قتل قاسم سليماني، وصولًا إلى تقديراتها الخاطئة خلال حرب الصيف الماضي. ومن هذا المنطلق، تهدف التعديلات الراهنة على انتشار القوات الأميركية إلى منع طهران من الإستنتاج بأنَّ الوضعَ قد دخلَ مرحلةً من الاستقرار أو التهدئة الدائمة.
ومع ذلك، وعلى الرُغمِ من تصاعُد الضغوط، حرص ترامب على إبقاء نافذة الحل التفاوضي مفتوحة. فإشاراته المُتكرّرة إلى رغبته في إبرام اتفاق و”إعادة إيران إلى عظمتها” ليست مُوَجَّهة إلى المجتمع الإيراني بقدر ما تخاطب القيادة مباشرة، في إطارِِ مُقاربةٍ نفعية تقومُ على الحوافز المشروطة. وضمنَ هذا التصوُّر، تبقى إمكانات الإغاثة الاقتصادية وإعادة الاندماج في النظام الدولي قائمة، ولكنها مرهونة بقبول إيران قيودًا دائمة وقابلة للتحقُّق على برامجها النووية والصاروخية الباليستية، فضلًا عن إدخال تغييرات ملموسة على سلوكها الإقليمي.
ويبقى السؤال الجوهري: هل استوعبت طهران هذا الواقع الجديد بعد سلسلة التحذيرات والصدمات المتلاحقة؟ فإذا كان الجواب نعم، فمن المرجح أن تميلَ إلى مسار التكيُّف، عبر قدر أكبر من ضبط النفس داخليًا وإقليميًا. أما إذا لم يحدث ذلك، فإنَّ احتمالاتَ سوء التقدير تبقى قائمة، بما تحمله من مخاطر إضافية. وفي المحصّلة، لا تسعى استراتيجية ترامب بالدرجة الأولى إلى إحداثِ تغيير داخلي مباشر في إيران، بقدر ما تهدفُ إلى إجبار القيادة على مواجهة الحدود الفعلية لقدرتها على الصمود والمقاومة، وهو مسارٌ ينطوي على تداعياتٍ عميقة على استدامة النظام وعلى مستقبل العلاقات الأميركية–الإيرانية.
- الدكتورة صَنَم وكيل هي مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز الأبحاث البريطاني “تشاتام هاوس”. وتشمل خبرتها السياسة الإيرانية والخليجية، وديناميات الأمن الإقليمي، والسياسة الخارجية الأميركية، مع تركيزٍ خاص على المشهد الاستراتيجي المُتطوّر للشرق الأوسط وارتباطه بالعالم.
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
