تقفُ إيران اليوم في منطقةٍ رمادية بين احتجاجاتٍ بلا قيادة واضحة ونظامٍ يمتلك خبرةً طويلة في القمع وإدارة الأزمات. وبين شارعٍ غاضب، ومُعارضة مُشتَّتة، وضغوطٍ دولية مُتردِّدة، يبقى مصيرُ التحرُّكات مفتوحًا على احتمالاتٍ كثيرة، من دون أن يلوحَ في الأفق مسارٌ حاسِمٌ للتغيير.
ملاك جعفر عبّاس*
ينظرُ المشاهد العربي إلى الاحتجاجات الجارية في إيران بقدرٍ من الترقُّب الممزوج بالملل. فالمشهدُ، في ظاهره، يبدو كأنه إعادةٌ متأخّرة لما عُرف ب”الربيع العربي” قبل نحو خمسة عشر عامًا، لكنه، في عمقه، هو مشهدٌ يُحتَمَلُ أن يكونَ الانعطافة النهائية في سلسلة الأحداث الدراماتيكية التي افتتحها مسرح الأحداث الغزّي في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023. فلا الإيرانيون راكموا خلال سنوات احتجاجهم التي لم تنقطع أدوات سياسية جديدة للتعاطي مع نظام الثورة، ولا يبدو أنَّ الزخم الذي رافق انهيار ما يُعرَفُ ب”محور المقاومة”، من دمشق الى كراكاس مرورًا بجولة الصيف الماضي في طهران، قد تُرجِمَ إلى أداةِ تغييرٍ حقيقية تقلب المعادلة في طهران. وعليه يبدو المشهد مفتوحًا على كلِّ الاحتمالات ومُغلَقًا عليها كلُّها في آنٍ واحد.
الشارع: غضبٌ بلا إطار
خصومُ النظام ليسوا على قلبٍ واحد ولا يشكّلون كتلةً مُتجانسة، لا في رؤيتهم لليوم التالي، ولا في تصوّرهم لكيفية الوصول إليه أصلًا. قد تبدو فكرة اسقاط النظام برّاقة لكنها ايضًا فكرةٌ مُبهَمة ومُعقَدة، خصوصًا كلّما دخلنا في تفاصيلها. ففي ظلِّ التعتيم الإعلامي وقطع الانترنت واحتكار السردية من قبل إعلام النظام من جهة، والمعارضة الخارجية من جهةٍ أُخرى، يصبح من الصعب تحديد أو قراءة المزاج الحقيقي والغالب على جموع المُحتَجّين.
هل يريدون إصلاحات اقتصادية وتوسيع هامش الحريات؟
هل يريدون اسقاط النظام وإقامة دولة ديموقراطية على النمط الغربي؟
هل يؤيّدون عودة الملكية؟
هل يريد الفرس ما تريده الأقليات الأخرى؟
هل يريد المركز ما تريده الأطراف؟
أسئلة كثيرة لا تبدو اللقطات النادرة المُتَسَرِّبة من الداخل قادرة على الإجابة عنها، كما إنها لا تجيب عن مدى الاستعداد لتحمُّل كلفة الدم والفوضى التي تُصاحِبُ تغييرًا جذريًا بحجم سقوط النظام.
بهذا المعنى، تبدو الاحتجاجات أقرب إلى نسخةٍ مُكرَّرة من تجارب “الربيع العربي”: تظاهراتٌ بلا قيادة واضحة، وغضبٌ بلا إطار سياسي، ومعارضةٌ بلا وجوهٍ يسهل إلباسها أي لبوس يناسب منتقديها ومؤيديها على حد سواء. وهي حتى الآن عاجزة لا تملك القدرة على إحداث التصدُّع المطلوب داخل بنية النظام لإحداث الانهيار. كما إنها غير قادرة على بلورة مشروع بديل من الداخل يتمتع بالشرعية الثورية والتمثيلية في حال وصولها الى السلطة.
المعارضة في المنفى
أما المعارضة الإيرانية في الخارج فليست في وَضعٍ أفضل. فهي، رغم تنوعها، لم تنجح يومًا في الالتقاء حول مشروعٍ يتجاوز كرهها للنظام وإدانة انتهاكاته. ولا يبدو أنها قادرة -حتى مع رياح التغيير المواتية دوليًا وإقليميًا وداخليًا- على تشكيلِ قيادةٍ في المنفى تصلح كبديلٍ سياسي حقيقي.
فولي عهد الشاه الراحل رضا بهلوي، الذي يتزعّم التيار الملكي–الدستوري، يحاول تسويق نفسه كبديلٍ جاهز، لكنه يفتقر إلى قاعدة داخلية وحيثية تمنحه شرعية حُكم فعلية. كما إنه لا يملك المشروع ولا “الكاريزما” التي تمتع بها والده في سياق تاريخي مختلف تمامًا. ولا يزال إرث جهاز “السافاك” حاضرًا في الذاكرة الإيرانية، ما يجعل الحماسة لعودة الملكية محدودة. كما لا تتحمّس لدعمه قوى إقليمية وازنة ترى في عودته حُكمًا صديقًا لإسرائيل يوسّعُ خارطة نفوذها خلف الضفة الشرقية للخليج.
أما “المجلس الوطني للمقاومة- مجاهدي خلق” بزعامة مريم رجوي، فعلى الرغم من كونه الأكثر تنظيمًا تاريخيًا في المنفى، ويُقدّمُ نفسه دومًا كبديلٍ جاهز، إلّا أنه يعاني من رفضٍ واسعٍ داخل أوساط المعارضة بسبب رموزه وخطابه وبنيته المُغلقة.
ومن تبقى من المعارضين فيتوزعون بين الشخصيات الحقوقية والأكاديمية كمسيح علي نجاد وكريم ساجد بور ووالي نصر وغيرهم الكثير والأحزاب القومية-المناطقية كالحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني وكومله. فهؤلاء يملكون القدرة على رفع الصوت وحشد الرأي العام الدولي لكن من غير المرجح أن يُشكّلوا تهديدًا حقيقيًا للنظام من الخارج.
الولايات المتحدة: ضغط بلا استراتيجية نهائية
موقف الولايات المتحدة بدوره لا يبدو أكثر وضوحًا. صحيح أن الرئيس دونالد ترامب رسم خطًا أحمر وهدّد بضرب إيران إن استمر قتل المحتجين، وطالبهم بتسجيل أسماء القتلة لمحاسبتهم لاحقًا، لكن تهديده بقي ملتبسًا. فمنذ ولايته الأولى، بنى ترامب مقاربته لإيران على فكرة الضغط بهدف دفعها الى اتفاق نووي أفضل يشمل البرنامج الصاروخي ودعم الأذرع الإقليمية.
غير أن هذه المقاربة رُغمَ حرب الأيام الاثني عشر، فشلت في كسر التعنُّت الإيراني، الذي لا يزال يتمسّك ب”لاءاته” الأساسية. وعليه، يصبح السؤال هنا: هل أقنعت المظاهرات ترامب بضرورة تغيير النظام من فوق؟ وهل يمتلك ترامب الوصفة السحرية لليوم التالي التي ترضي الشعب الإيراني ولا تقلق حلفاء واشنطن الإقليميين وتحديدًا السعودية وتركيا، اللتين لا تبدوان متحمستين لعشرية سوداء ايرانية تعيد خلط خرائط النفوذ والحدود في إقليم منهك.
تطور الأيام الماضية يشي أنَّ مسعى التفاوض لم يصل بعد إلى طريقٍ مسدود رُغم الإعلان عن ذلك. لم يكن ظهور عباس عراقجي على قناة “فوكس نيوز” اليمينية سبقًا صحافيًا بالمعنى التقليدي. فلكي تفتح الذراع الإعلامية للبيت الأبيض الهواء لوزير خارجية إيران ليقول أنَّ الوضعَ تحت السيطرة، ولا قتل ولا إعدامات للمُحتجّين غداة إعلان ترامب أنه ألغى كلَّ الاتصالات المباشرة مع المسؤولين الإيرانيين، يعني أنَّ تنسيقًا عالي المستوى قد افضى الى الاتفاق على نقل الرسالة علنًا ومباشرة الى جمهور “ماغا” يقول أنَّ الخطَّ الأحمر الذي رسمه ترامب قد نجح ولا حاجة للضربة. وسرعان ما تبنى ترامب السردية الإيرانية، فقال إنَّ القتل قد توقف او يتوقف او ربما يتوقف… سنتأكد. ربما يُريدُ التأكُّد من حجمِ التنازلات على الطاولة فيمنح إيران “فرصة ثانية” بناءً على طلبِ سعودي- قطري- تركي بحسب وكالة “رويترز”.
فطالما أنَّ ترامب ليست لديه إجابة واضحة عن فاعلية ضربة ما، تُتيحُ له إعلان الانتصار النهائي سيبقى ميّالًا الى الصفقة فيما يبدو أنَّ جناح الصفقة داخل النظام الإيراني بدأ بدوره يُحقّقُ مكاسبَ في هذا الاتجاه بعد أن بدا لبرهةٍ داخل بيت الطاعة المتشدّد. وطالما أنَّ إيران قبلت ب”الفرصة الثانية” فما هو الوعد الذي قدّمته؟ هل يكفي توقف القتل بعد كل هذه الدماء أم أنَّ تنازلات في الملفات الأساسية باتت مطروحة؟
إسرائيل: الحماسة القصوى وحدود التأثير
تبدو إسرائيل الأكثر حماسة علانية لإسقاط النظام، أملًا في تحقيق طموح بنيامين نتنياهو بتغيير صورة الشرق الأوسط للأبد، والانتصار في حرب الجبهات السبع التي أعلنها إثر هجمات “طوفان الأقصى”. ينطلق التصوُّر الإسرائيلي من أنَّ ضربَ “رأس الأفعى” سيؤدي حُكمًا إلى انهيار ما تبقّى من الأذرع، أي “حزب الله” والحوثيين. لكنه يبالغ في تقدير وزنه عند صانع القرار الأميركي الحالي الذي لا يرى مانعًا من استخدام العضلات الإسرائيلية حين تخدم مشروعه، لكنه لا يمنحها الكلمة الفصل.
أما سرًّا، فيبدو، بحسب صحيفة الواشنطن بوست، أن تفاهمًا سرّيًا رعته روسيا بين إسرائيل والجمهورية الإسلامية يقضي بعدم مبادرة أيٍّ من الطرفين إلى مهاجمة الآخر، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول الخطوط الحمر الفعلية لتل أبيب في طهران.
النظام: خبرة القمع وذاكرة التمرد
على عكس ما يعتقده كثيرٌ من المُحللين، لم يفاجأ النظام الإيراني بالشارع ولم يرتبك. فقد تشكّلَ تاريخيًا على قاعدة الاشتباه الدائم بالمجتمع، وبنى أدواته الأمنية والقانونية والإيديولوجية لمنعِ أيِّ عملٍ سياسي مستقل، ولتفكيك أي إمكانية لإعادة التجمّع خارج منظومته.
فرغم تكرار الاحتجاجات وتصاعدها، لم يشعر النظام مطلقًا أنه مُضطَرٌّ لتغيير دفتر التعليمات الذي طالما استُخدِمَ في قمع الاحتجاجات المتعاقبة منذ التمرد الكردي بين 1979 و1983، والذي تحوّلَ إلى نموذجٍ أوّلي جرى تطويره لاحقًا عبر أدوات التحكُّم بأنظمة الاتصالات والانترنت وإدارة السرديات، صدَّرته طهران في 2011 لنظام الأسد في سوريا. وقد أفرد له القيادي في الحرس الثوري حسين همداني فصلًا كاملًا في كتابه “رسائل الأسماك”. وقد تعلم النظام من هذا التمرُّد أربعة دروس أساسية لا يزال يُطبّقها حتى اليوم وهي:
- عدم السماح بتسييس المطالب القومية أو الاجتماعية؛
- ضرب أي تنظيم قبل أن يتحوّل إلى فاعلٍ سياسي؛
- ربط أي احتجاج في الأطراف بسيناريو التفكك وأي احتجاج في المركز بالمؤامرة الخارجية؛
- تفضيل الحل الأمني المبكر على التفاوض المتأخّر.
لكن النظام اليوم يبدو للمفارقة أن هذا التطور علق في لحظة 2011. تنضح من غرفة العمليات الإعلامية في طهران رائحة النظام السوري المتعفّن الذي ادار تغطية الثورة منذ اليوم الأول باعتبارها مؤامرةً خارجية وحربًا كونية ترسل مجاميع الإرهابيين لتقويض الدولة من دون ان يجيب عن السؤال الأساسي الذي يوصل الأمور كل مرة الى حافة الانفجار: متى توضع مصلحة الشعب الإيراني فوق اعتبارات بقاء النظام؟
فالنظامُ الإيراني وإن لمّحَ في أول الاحتجاجات إلى مطالب معيشية محقّة خرج من أجلها الناس إلى الشارع، إلّا أنه سارعَ مُبكِرًا إلى الحديث عن خلايا إرهابية مسلحة وجماعات انفصالية، ما يعني أنه لن يتوانى عن خوض حرب عصابات حتى الرمق الأخير. فالكتلة الصلبة العقائدية المؤيدة له والتي يقدرها المحللون ب13 مليون شخص، صوّتوا لسعيد جليلي في الانتخابات الأخيرة، لن تتوانى عن تلبية نداء “الجهاد المُقدَّس” إن أُعلِن. هذه الشريحة لا تطمح بأيِّ حال من الأحوال إلى تغيير النظام، ولا بالسفر للعيش في الخارج، ولا تدغدغها أحلام الديموقراطية الغربية. وهي وإن كانت تُشكّلُ أقلّية داخل المجتمع الإيراني، إلّا أنها تبقى الأكثر تماسُكًا وتأطيرًا ووضوحًا في خياراتها، والأكثر استعدادًا للدفاع عنها. وعليه فإنَّ سيناريو العسكرة الذي قد تسعى إليه إسرائيل وبعض المعارضة لا يخيفُ النظام الذي حوّلَ حرب العصابات إلى ركيزةٍ أساسية بنى عليها عقيدة الدفاع عن الأمن القومي الاستراتيجي وأمضى كلَّ يومٍ من عمره يستعدُّ لهذه اللحظة.
في المحصِّلة، لا تبدو إيران اليوم على أعتاب ثورة مكتملة الأركان، ولا على شفا انهيار وشيك. هي عالقة في حقل الضباب، حيث لا يكفي الاحتجاج لإسقاط النظام، والقمع لا يكفي لإنهاء أسباب الغضب. ثورة الأسئلة المفتوحة هو توصيف لحالة بلا أجوبة شافية: شارع بلا برنامج، معارضة بلا مركز، نظام بلا استعداد للإصلاح، وقوى دولية بلا خطة لما بعد الصدمة.
في هذا الضباب، تُعلّق البلاد على ما يتفق أو يختلف عليه ترامب وخامنئي خلف الأبواب المغلقة. أما الإيرانيون، الذين يدفعون الكلفة الأكبر، فيبقون أسرى زمن انتظار ثقيل، لا يعرفون إن كان سيقودهم الى انفراج، أم إلى جولة أخرى ولو بعد حين.
- ملاك جعفر عباس هي كاتبة سياسية وإعلامية لبنانية حاورت شخصيات عربية وعالمية عدة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربي”. وقد تخصصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة. يمكن التواصل معها عبر منصة “ Linkedin“ على: linkedin.com/in/malakjaafar
