مُفارقة التحوُّل العُماني: هل يستطيعُ النفطُ بناءَ اقتصادٍ يَستَغني عنه؟

في وقتٍ تتسابق فيه الدول المنتجة للطاقة إلى تطوير مصادر جديدة للنمو، تخوض سلطنة عُمان تجربة مختلفة: توظيف شركاتها النفطية لقيادة التحوّل الاقتصادي والتكنولوجي. لكن نجاح هذه التجربة لا يتوقف على زيادة إنتاج النفط وخفض انبعاثاته، بل على قدرة القطاع الذي صنع الثروة العُمانية على نقل خبراته واستثماراته إلى صناعاتٍ وخدماتٍ تستطيع النمو بعيدًا منه.

السلطان هيثم بن طارق يقود عُمان نحو اقتصادٍ متنوّع، يستثمر ثروة النفط لبناء مستقبلٍ يتجاوز الاعتماد عليها.

مسقط – محمد سليم*

قد يبدو غريبًا أن تتولى شركة نفطية مهمة المساهمة في بناءِ اقتصادٍ أقل اعتمادًا على النفط. فالمؤسسات التي نشأت لاستخراج الخام والغاز، وتراكمت خبراتها وأرباحها بفضل استمرار الطلب عليهما، ليست في الظاهر الجهات الأكثر استعدادًا لقيادة التحوُّل نحو أنشطة اقتصادية جديدة. غير أنَّ التجربة العُمانية تطرح احتمالًا مختلفًا: ماذا لو كانت شركات النفط، بما تمتلكه من رؤوس أموال وتكنولوجيا وخبرات هندسية وإدارية، أكثر المؤسسات قدرة على إطلاق هذا التحوُّل؟

هذا السؤال يتجاوز مستقبل الطاقة إلى طبيعة التنمية الاقتصادية في الدول المنتجة للموارد الطبيعية. فالمشكلة ليست في استمرار استخراج النفط ما دامت الأسواق تحتاج إليه، وإنما في قدرة الاقتصاد على الاستفادة من الثروة التي يولّدها لبناء مصادر أخرى للإنتاج والدخل والتوظيف.

وفي حالة عُمان، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة. فالسلطنة لا تمتلك الموارد المالية نفسها التي يتمتع بها بعض الاقتصادات الخليجية الأكبر، ما يجعل كفاءة توظيف رأس المال والخبرات المتاحة عنصرًا حاسمًا في خياراتها المستقبلية. لذلك، فإنَّ تحويل قطاع النفط إلى منصّةٍ للتطوير الصناعي والتكنولوجي قد يكون أكثر جدوى من التعامل معه بوصفه نشاطًا تقليديًا ينبغي تقليصه تدريجيًا لمصلحة قطاعات جديدة منفصلة عنه.

لكن هذه المقاربة تنطوي على مفارقة يصعب تجاهلها. فكلّما أصبحت الشركات النفطية أكثر إنتاجية وربحية وتقدُّمًا تكنولوجيًا، تَعزَّزَ موقعها في الاقتصاد الوطني، وربما ازدادت قدرة الدولة على الاعتماد عليها. وهكذا، قد يؤدي النجاح في تحديث القطاع النفطي إلى إطالة أمد مركزيته الاقتصادية، بدل أن يكون مُقدّمة لتجاوزها.

من هنا، فإنَّ الاختبار الحقيقي للتجربة العُمانية لا يتعلق بما تستطيع شركات النفط تحقيقه داخل حقول الإنتاج، بل بما يمكن أن تتركه خارجها من صناعات وخبرات ومؤسسات قادرة على الاستمرار والنمو.

حين تتحوّل الحقول النفطية إلى مختبرٍ للتكنولوجيا

تُمثّل شركة تنمية نفط عُمان نموذجًا واضحًا لهذا التحوّل. فهي مسؤولة عن نحو 70% من إنتاج النفط في السلطنة، لكنها أصبحت تؤدي دورًا يتجاوز استخراج الخام إلى تطوير تقنيات التشغيل وإدارة الموارد وتعزيز القدرات الصناعية المحلية.

وفي عام 2025، بلغ متوسط إنتاج الشركة نحو 706 آلاف برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى منذ عام 2002، مع المحافظة على كلفة تشغيلية تنافسية تقارب 6.8 دولارات للبرميل. ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في زيادة الإنتاج وحدها، بل في ما تكشفه عن قدرة الشركة على تحسين الأداء في حقولٍ تتطلّب تقنيات متقدمة لإدارة المكامن والمحافظة على الإنتاجية.

ففي صناعةٍ تتزايد فيها صعوبة استخراج الموارد وتتعقّد متطلبات التشغيل، أصبحت التكنولوجيا عنصرًا أساسيًا في تحديد الربحية. ولم تعد المنافسة تقتصر على امتلاك الاحتياطات، بل تشمل القدرة على تحليل البيانات، وتوقُّع الأعطال، وتقليل فترات التوقف، وتحسين استخدام الطاقة والمعدات.

وقد توسعت الشركة في توظيف الذكاء الاصطناعي والصيانة التنبُّؤية، وربطت نحو ثلاثة آلاف بئر تستخدم المضخات الكهربائية الغاطسة بأنظمة رقمية لمراقبة الأداء والتنبؤ بالمشكلات التشغيلية. وساهمت هذه التقنيات في خفض معدلات تعطل المضخات من 23% إلى 15%، بما انعكس على كفاءة العمليات وتكاليفها.

للوهلة الأولى، تبدو هذه الإنجازات تفاصيل فنية لا تهم سوى العاملين في صناعة النفط. لكنها تحمل دلالة اقتصادية أوسع. فإدارة آلاف الآبار باستخدام البيانات والتحليل التنبُّؤي تتطلّب مهارات في البرمجيات والهندسة والأتمتة والأمن السيبراني وإدارة الأنظمة المعقدة. وهذه المهارات لا تنتمي إلى صناعة النفط وحدها، بل يمكن استخدامها في المصانع وشبكات الكهرباء والموانئ والنقل والخدمات اللوجستية.

وهنا تظهر الفرصة الحقيقية أمام الاقتصاد العُماني: ألّا تبقى التكنولوجيا مجرّد أداةٍ لتحسين إنتاج الخام، بل أن تتحوّل إلى صناعة قائمة بذاتها، تنتج حلولًا وخدمات يمكن تسويقها خارج القطاع النفطي، بل وخارج السلطنة.

غير أنَّ الوصول إلى هذه المرحلة ليس مضمونًا. فقد تنجح شركة كبيرة في شراء أحدث الأنظمة الرقمية وتشغيلها بكفاءة، من دون أن يؤدّي ذلك إلى نشوء قاعدة تكنولوجية وطنية. وقد تستفيد من خبرات شركات دولية متخصصة، فيما تظل المؤسسات المحلية محصورة في أعمال الصيانة والخدمات المساندة.

لذلك، فإنَّ المعيار الأهم لا يتمثل في عدد التقنيات المستخدمة داخل الحقول، بل في مقدار المعرفة التي تنتقل إلى الشركات والمهندسين والمؤسسات التعليمية العُمانية، وفي قدرتهم لاحقًا على تطوير حلول خاصة بهم.

تكتسب برامج المحتوى المحلي أهميتها من هذه الزاوية تحديدًا. فقد ساهمت مبادرات شركة تنمية نفط عُمان في دعم إنشاء 88 منشأة صناعية، فيما بلغ الأثر الاقتصادي التراكمي لبرنامج المحتوى المحلي نحو 4.4 مليارات دولار بنهاية عام 2025.

لكن الأرقام، مهما بدت مشجِّعة، لا تكفي للحكم على عمق التحوّل. فهناك فرق بين شركة محلية تحصل على عقود من قطاع النفط، وشركة تطور منتجات أو خدمات قادرة على المنافسة في أسواق أخرى.

الأولى تستفيد من النشاط النفطي، أما الثانية فتستخدمه نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر تنوُّعًا. وهذا الفارق هو ما سيحدد، على المدى الطويل، ما إذا كانت برامج المحتوى المحلي تساهم في بناء قاعدة إنتاجية مستقلة، أم تكتفي بتوسيع دائرة المستفيدين من الإنفاق النفطي.

لذلك، فإنَّ الخطوة التالية ينبغي أن تتجاوز توطين المشتريات إلى توطين المعرفة، وتشجيع البحث والتطوير، وربط الشركات الناشئة والمؤسسات الصناعية المحلية بالمشكلات التقنية التي تواجه قطاع الطاقة، ثم مساعدتها على تحويل الحلول التي تبتكرها إلى منتجات تجارية قابلة للتصدير.

الطاقة النظيفة داخل صناعة النفط

لا يقتصر التحوّل الذي تشهده الشركات النفطية العُمانية على التكنولوجيا الرقمية، بل يشمل أيضًا إعادة النظر في مصادر الطاقة المستخدمة داخل عمليات الإنتاج.

فالشركات التي تعتمد تاريخيًا على الوقود الأحفوري لتشغيل منشآتها بدأت تتجه إلى الطاقة الشمسية والرياح، في محاولة لخفض التكاليف والانبعاثات وتحسين كفاءة استخدام الموارد.

وقد تراجعت الانبعاثات التشغيلية لشركة تنمية نفط عُمان من نحو 12 مليون طن في عام 2019 إلى قرابة 11.1 مليون طن في عام 2025، رغم ارتفاع الإنتاج. كما تعمل الشركة على الحد من حرق الغاز وتقليل انبعاثات الميثان، مع استهداف إنهاء الحرق الروتيني بحلول عام 2030.

تكتسب هذه الإجراءات أهمية اقتصادية وبيئية واضحة. فالغاز الذي لا يُحرق يمكن الاستفادة منه، والطاقة التي يجري توفيرها تخفض كلفة التشغيل، وتحسين الأداء البيئي قد يعزز القدرة التنافسية في أسواق تتزايد فيها متطلبات خفض الانبعاثات.

لكن هذه النتائج تستدعي التمييز بين مسألتين مختلفتين: خفض الانبعاثات الناتجة عن استخراج النفط، وخفض الاعتماد الاقتصادي والمناخي على استهلاكه.

فقد يصبح البرميل العُماني أقل انبعاثًا خلال إنتاجه، من دون أن تتغير بصورة جوهرية الانبعاثات الناتجة عن احتراقه عند الاستهلاك. كما أنَّ انخفاض الانبعاثات التشغيلية لا يعني بالضرورة تراجع الأثر المناخي الإجمالي للنفط المنتج.

إنَّ هذا التمييز ضروري لفهم حدود التحوّل الجاري. فالشركات النفطية تستطيع تحسين أدائها البيئي بصورة ملموسة، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير طبيعة الطلب العالمي على الوقود الأحفوري.

من هنا، تبرز أهمية مشاريع الطاقة المتجددة التي يجري تطويرها لخدمة العمليات الصناعية. فمحطة أمين للطاقة الشمسية، بقدرة 100 ميغاواط، ومشروعا “رياح 1” و”رياح 2″، بقدرة إجمالية تبلغ 200 ميغاواط، يعكسان اتجاهًا نحو استخدام الكهرباء النظيفة في أنشطة كانت تعتمد بصورة رئيسية على الغاز الطبيعي.

ومن المتوقع أن يتيح مشروعا “الرياح”، وفق التقديرات المعلنة، توفير نحو 300 مليون متر مكعب من الغاز سنويًا عند تشغيلهما وفق الخطط الموضوعة.

تكمن أهمية هذه المشاريع في أنها تُعيدُ تعريف العلاقة بين النفط والطاقة المتجددة. فبدل أن تكون المصادر النظيفة منافسًا مباشرًا للقطاع التقليدي، تصبح وسيلة لتحسين كفاءته وتقليل استهلاكه المحلي من الغاز.

لكن هذه المعادلة تطرح سؤالًا اقتصاديًا مهمًا: إلى أين ستذهب القيمة التي يوفرها هذا التحسُّن؟

إذا اقتصر الأمر على خفض تكاليف استخراج النفط وزيادة الكميات المتاحة من الغاز للتصدير، فإنَّ النتيجة الأساسية ستكون تعزيز ربحية القطاع التقليدي. أما إذا استُخدمت الوفورات والخبرات المكتسبة لتطوير صناعات جديدة، فإنَّ مشاريع الطاقة المتجددة قد تؤدي دورًا يتجاوز حدود الحقول النفطية.

وهنا ينبغي النظر إلى الطاقة النظيفة بوصفها فرصة صناعية، لا مجرد وسيلة لخفض فاتورة التشغيل.

فالانتقال إلى الكهرباء المتجددة يتطلب معدات وأنظمة تحكُّم وصيانة وشبكات وتخزينًا وخدمات هندسية متخصصة. وكلُّ واحدة من هذه المجالات يمكن أن تفتح المجال أمام شركات عُمانية جديدة، إذا توفرت لها فرص التدريب والتطوير والمنافسة.

وينطبق الأمر نفسه على الهيدروجين الأخضر، الذي تراهن عليه السلطنة بوصفه أحد القطاعات المستقبلية الواعدة. فقد حددت عُمان أهدافًا طموحة لإنتاجه، تبدأ بنحو مليون طن سنويًا بحلول عام 2030، مستفيدة من مواردها الشمسية والريحية وموقعها البحري.

لكن التجربة الدولية تشير إلى أنَّ الإعلان عن مشاريع الهيدروجين أسهل من تحويلها إلى صناعات تجارية مربحة. فارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين، وعدم وضوح حجم الطلب المستقبلي، وصعوبة تأمين عقود شراء طويلة الأجل، كلها عوامل تفرض قدرًا كبيرًا من الحذر.

السؤال الأهم بالنسبة إلى عُمان ليس فقط ما إذا كانت ستنجح في تصدير الهيدروجين، بل ما إذا كانت ستتمكن من استخدامه لتطوير أنشطة صناعية محلية.

فإذا اقتصر المشروع على إنتاج الهيدروجين أو الأمونيا الخضراء وتصديرهما، فقد يصبح الاقتصاد أمام مادة أولية جديدة تحل تدريجيًا محل مادة أولية قديمة، من دون تغيير جوهري في بنيته.

أما إذا ساهمت هذه الصناعة في تطوير الخبرات الهندسية والخدمات التكنولوجية والصناعات التحويلية، فإنها قد تصبح جزءًا من عملية تنويع اقتصادي أكثر عمقًا.

النجاح الحقيقي يبدأ خارج قطاع النفط

تواجه عُمان في مساعيها لبناء صناعات جديدة واقعًا إقليميًا شديد التنافس. فدول الخليج تستثمر بكثافة في الطاقة المتجددة والهيدروجين والتكنولوجيا المتقدمة، فيما تتسابق اقتصادات أخرى حول العالم إلى استقطاب رؤوس الأموال المرتبطة بالتحوّل الطاقوي.

وفي مثل هذه البيئة، لا تبدو المنافسة على حجم الاستثمارات المعلنة وحده الخيار الأكثر ملاءمة للسلطنة. فبعض الدول يمتلك قدرات مالية وأسواقًا محلية أكبر، ما يسمح له بتحمل مخاطر مشاريع ضخمة قد تتأخر عوائدها سنوات طويلة.

أما عُمان، فتستطيع أن تستفيد من ميزاتها الخاصة، وفي مقدمها خبرتها المتراكمة في صناعة الطاقة، وموقعها على بحر العرب والمحيط الهندي، والبنية الأساسية لموانئها ومناطقها الصناعية.

لكن تحويل هذه المزايا إلى قوة اقتصادية يتطلب التركيز على المشاريع التي تحقق قيمة مضافة محلية واضحة، وتستطيع جذب استثمارات خاصة، وتفتح فرصًا حقيقية للتصدير.

وفي هذا السياق، يمكن لشركات النفط أن تؤدي دورًا بالغ الأهمية، ليس فقط من خلال تمويل المشاريع، بل عبر نقل خبراتها في إدارة المنشآت الكبرى والهندسة والسلامة الصناعية والخدمات اللوجستية إلى قطاعات أخرى.

غير أنَّ هذه العملية تحتاج إلى سياسات واضحة تمنع بقاء المعرفة والاستثمار محصورين داخل المؤسسات النفطية الكبرى.

فإذا ظلت الشركات المحلية تعتمد بصورة شبه كاملة على عقود هذه المؤسسات، فإنَّ نموها سيبقى مرتبطًا بالدورة النفطية. أما إذا استطاعت تطوير منتجات وخدمات تستهدف أسواقًا متنوعة، فإنها ستصبح جزءًا من قاعدة إنتاجية أوسع وأكثر قدرة على مواجهة التقلبات.

وهذا يضع التعليم والتدريب والبحث العلمي في قلب التحوّل الاقتصادي. فالمهارات المطلوبة لتشغيل الحقول النفطية الحديثة، وإدارة شبكات الطاقة المتجددة، وتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تشكل أساسًا لصناعات جديدة، لكنها تحتاج إلى مؤسسات قادرة على تحويل المعرفة التطبيقية إلى ابتكار تجاري.

كما أنَّ نجاح هذه العملية يتطلب بيئة اقتصادية تسمح للشركات الصغيرة والمتوسطة بالنمو خارج مظلة الإنفاق الحكومي والشركات الكبرى، وتوفر لها التمويل والأسواق والمنافسة العادلة.

ولعلَّ التحدي الأكثر دقة يتمثل في أنَّ نجاح القطاع النفطي نفسه قد يؤخر الإحساس بضرورة التغيير. فارتفاع الإنتاج وتحسُّن الربحية وخفض التكاليف توفر جميعها نتائج إيجابية على المدى القريب، لكنها قد تجعل الاعتماد على القطاع التقليدي يبدو أقل إلحاحًا من الناحية الاقتصادية.

وهنا يصبح الانضباط في توجيه العائدات والوفورات عنصرًا حاسمًا. فالموارد التي يوفّرها تحسين الأداء النفطي ينبغي ألّا تُقاس فقط بما تضيفه إلى أرباح الشركات أو الإيرادات العامة، بل بما تتيحه من استثمارات في قطاعات تستطيع توليد دخل مستقل مستقبلًا.

هذا لا يعني تقليص أهمية النفط بصورة مصطنعة أو التخلي عن فرصه التجارية، بل يعني تجنُّب تحويل نجاحه إلى مبرِّر لتأجيل بناء البدائل.

فالدول المنتجة للطاقة لا تستطيع التحكُّم في توقيت التحوّلات العالمية أو سرعتها، لكنها تستطيع التحكُّم في مدى استعداد اقتصاداتها للتعامل معها. وكلما نجحت في تحويل عائدات الموارد الطبيعية إلى معرفة وإنتاجية وقدرات صناعية، ازدادت قدرتها على مواجهة مستقبل لا تزال ملامحه غير محسومة.

في الحالة العُمانية، قد يكون المسار الأكثر واقعية هو الاستفادة من قوة القطاع النفطي لتطوير منظومة صناعية وتكنولوجية أوسع، مع المحافظة على معايير صارمة لجدوى الاستثمارات الجديدة، وعدم المبالغة في التعويل على أسواق لم يثبت بعد حجمها التجاري، وفي مقدمها سوق الهيدروجين الأخضر.

فليس المطلوب أن تصبح عُمان أكبر منتج لكلِّ شكلٍ جديد من أشكال الطاقة، بل أن تختار المجالات التي تستطيع فيها بناء مزايا تنافسية مستدامة، وأن تجعل الشركات الوطنية شريكًا حقيقيًا في تطويرها.

في نهاية المطاف، لا يتمثل التحدي الحقيقي أمام السلطنة في جعل شركاتها النفطية أكثر إنتاجية وأقل انبعاثًا فحسب، بل في تحويل ما راكمته هذه الشركات من رؤوس أموال وخبرات وتكنولوجيا إلى قاعدة اقتصادية تستطيع النمو خارج قطاع الطاقة التقليدي.

فنجاح التحوّل لن يُقاس بعدد المشاريع الجديدة أو حجم الاستثمارات المعلنة، وإنما بقدرة الصناعات والخدمات الناشئة على المنافسة والتصدير وخلق القيمة من دون الاعتماد الدائم على العائدات النفطية.

وهنا تكمن المفارقة العُمانية الكبرى: أن يكون الإنجاز التاريخي الأهم لقطاع النفط هو مساهمته في بناء اقتصاد لم يعد مستقبله مرهونًا به.

↑
Exit mobile version