رُغم الضربات العسكرية والعقوبات الخانقة، تعتقد طهران أنَّ بإمكانها هزيمة واشنطن عبر الصمود والاستنزاف ورفع كلفة المواجهة، وصولًا إلى إجبار الولايات المتحدة على التراجع عن سياسة احتواء إيران.
نرجس باجوغلي ووالي (فالي) نصر*
عندما يتعلق الأمر بإيران، يبدو سجل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حافلًا بالإخفاقات. فعلى الرغم من أشهر من القصف المكثف، لم تتمكن واشنطن من إضعاف الجمهورية الإسلامية بالقدر الذي كانت تطمح إليه، كما عجزت عن كسر إرادتها على طاولة المفاوضات. مع ذلك، وبعد سبعة أشهر من النتائج المخيِّبة، يتصرف المسؤولون الأميركيون كما لو أنهم تجاوزوا تلك الإخفاقات، وانتقلوا إلى مرحلة جديدة من الضغوط، قوامها فرض عقوبات إضافية والإبقاء على الحصار الأميركي المفروض على الساحل الجنوبي لإيران، بما يضيّق قدرتها على الوصول إلى الأسواق الخارجية. وتراهن واشنطن على أنَّ هذا الخناق الاقتصادي سيضع الجمهورية الإسلامية قريبًا أمام خيارين: الرضوخ للمطالب الأميركية أو مواجهة الانهيار. وقد لخّص وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت هذه المقاربة في الأول من أيلول (سبتمبر)، بقوله: “سنقوم بخنق هذا النظام اقتصاديًا”.
لا شك في أنَّ الولايات المتحدة ألحقت بإيران أضرارًا جسيمة، لكن الجمهورية الإسلامية لا ترى نفسها على حافة الانهيار. بل إنَّ طهران تعتقد أنها قادرة على إلحاق الهزيمة بواشنطن، ولديها أسبابها التي تستند إليها في هذا الاعتقاد. فقد صمدت أمام القصف الأميركي والإسرائيلي، ولم تكتفِ بتحمُّل الضربات، بل ردّت بقوة، مستهدفةً قواعد عسكرية أميركية ومعطّلةً حركة الملاحة في مضيق هرمز. ورغم الثمن الاقتصادي الباهظ الذي يدفعه الإيرانيون نتيجة الدمار الذي خلّفته الحرب والقيود التي فرضتها واشنطن، فإنَّ قطاعات واسعة من السكان التفّت حول القيادة، وأبدت استعدادًا لتحمّل المصاعب باعتبارها ثمنًا ضروريًا للدفاع عن البلاد.
وقد عزّزت هذه التطوّرات ثقة طهران بقدرتها على مواصلة المواجهة. ورغم ما قد يظهر بين المسؤولين الإيرانيين من اختلافات بشأن بعض التكتيكات، فإنهم يتفقون على الأهداف الاستراتيجية الكبرى: إخراج القوات الأميركية من الخليج العربي، وإجبار واشنطن على رفع جميع العقوبات المفروضة على إيران، وحمل الولايات المتحدة على الاعتراف بالجمهورية الإسلامية قوةً عظمى.
قد تبدو هذه الأهداف شديدة الطموح، خصوصًا أنَّ إيران خرجت من المواجهة أضعف من الناحية المادية، لكن القيادة الإيرانية تعتقد أنها قابلة للتحقيق. فهي تراهن على أنَّ مواصلة ضرب القواعد العسكرية الأميركية، إلى جانب دفع الدول العربية إلى ممارسة الضغوط على واشنطن، يمكن أن يؤدّي في نهاية المطاف إلى إخراج القوات الأميركية من الخليج. كما ترى أنَّ قدرتها على إحداث اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة تمنحها وسيلة للضغط على الولايات المتحدة من أجل رفع القيود الاقتصادية.
وتقوم “استراتيجية النصر” الإيرانية، في جوهرها، على الصمود وإلحاق خسائر وتكاليف متزايدة بالخصم، إلى أن تصبح مواصلة سياسة احتواء إيران أكثر كلفة بالنسبة إلى واشنطن من التخلّي عنها.
رصُّ الصفوف
ليس ثمة شك في أنَّ إيران تكبّدت خسائر فادحة خلال الحرب. فقد أدت أشهر من القصف الأميركي والإسرائيلي إلى إلحاق أضرار واسعة بالصناعات والبنية التحتية، وارتفاع معدلات البطالة، ودفع أعداد متزايدة من الإيرانيين إلى الفقر. كما أسهمت العقوبات والحصار البحري الأميركي في تفاقم التضخم وزيادة الضغوط على الاقتصاد. وعلى الصعيد العسكري، حققت القوات الأميركية والإسرائيلية نجاحات تكتيكية عديدة، كان أبرزها اغتيال المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي.
غير أنَّ هذه النجاحات العسكرية لم تُترجَم إلى نصرٍ استراتيجي، بل انتهت المواجهة إلى نتائج كارثية بالنسبة إلى الحسابات الأميركية. فقد راهنت واشنطن على أنَّ القصف الجوي المكثف، بالتزامن مع الجهود الرامية إلى تقويض الاقتصاد الإيراني، سيدفع الجمهورية الإسلامية إلى الرضوخ. لكن ذلك لم يحدث. كما توقعت أن يؤدي اغتيال خامنئي إلى إشعال انتفاضة شعبية واسعة ضد النظام، إلّا أنَّ هذا الرهان أخفق بدوره.
فبدلًا من اندلاع الاحتجاجات المناهضة للحكومة، دفع مقتل خامنئي أنصار الجمهورية الإسلامية إلى النزول إلى الشوارع، حيث نظّموا مسيرات ليلية في المدن الرئيسية. وسرعان ما انضم إليهم إيرانيون من اتجاهات سياسية مختلفة، توحّدوا حول موقفٍ داعم لبلادهم في مواجهة الهجمات الخارجية.
وعندما اندلعت الحرب، كانت تركيا قد أعدّت خططًا لاستقبال نحو سبعين ألف لاجئ إيراني، تحسُّبًا لموجة نزوح واسعة. غير أنَّ أعدادًا محدودة فقط غادرت إيران. بل إنَّ استمرار الحرب شهد حركة في الاتجاه المعاكس، إذ عاد عددٌ من الإيرانيين المقيمين في الخارج إلى وطنهم، بينهم شخصيات ثقافية وصحافيون وسياسيون أمضوا سنوات طويلة في المنفى، ومنهم المغنيان محسن نامجو وبيجان مرتضوي.
غير أن تصاعد المشاعر القومية في إيران لا يعني بالضرورة اتساع التأييد للجمهورية الإسلامية، إذ لا يزال كثيرٌ من الإيرانيين يشعرون باستياء عميق من قيادة بلادهم. لكن غضبهم من حكومتهم بات يتراجع أمام غضب أشد تجاه واشنطن. ففي السابق، كان معظم الإيرانيين يتعاملون بتشكك مع تحذيرات الجمهورية الإسلامية من أنَّ الولايات المتحدة تسعى إلى تدمير بلادهم، وكانوا يأملون في أن تعمل طهران على تحسين علاقاتها بواشنطن. إلّا أنَّ قصف المدن الإيرانية، والتهديدات المتكررة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمحو الحضارة الإيرانية، غيّرت هذه النظرة إلى حد بعيد. فقد هدد ترامب، على سبيل المثال، بأنه قد “يفجّر الأمة بأكملها” ويدفعها “إلى الجحيم دون أي فرصة للنجاة”. وأدت هذه التصريحات، إلى جانب العمليات العسكرية، إلى ترسيخ قناعة لدى إيرانيين من مختلف الاتجاهات السياسية بأنَّ الولايات المتحدة تسعى إلى تدمير بلادهم، أو على الأقل إجبارها على الاستجابة لجميع مطالب واشنطن.
وقد لمسنا هذا التحوُّل بوضوح خلال محادثات مطوّلة أجريناها مع إيرانيين ينتمون إلى تيارات فكرية وسياسية مختلفة. وبدأنا هذه المحادثات عندما قصفت الولايات المتحدة إيران للمرة الأولى في حزيران (يونيو) 2025، وواصلناها حتى الوقت الراهن لرصد التغيُّرات التي طرأت على مواقفهم السياسية. ففي أعقاب المجازر التي ارتُكبت ردًّا على الاحتجاجات الشعبية الواسعة في كانون الثاني (يناير)، عبّرت الغالبية الساحقة ممن تحدثنا إليهم عن غضب شديد واستياء عميق من حكومتهم. لكننا لاحظنا تحوُّلًا جذريًا في مواقفهم مع استمرار الحرب وتصاعد تهديدات ترامب التي وصلت إلى حد التلويح بإبادة البلاد.
وقال لنا “علي”، وهو معارض سياسي مخضرم يبلغ من العمر 45 عامًا، أمضى سنوات في السجن بسبب نشاطه في القضايا الاجتماعية والسياسية: “لقد صدّقنا الوعود الأميركية طويلًا. لكن هذه الحرب، وكل ما قالته إدارة ترامب وفعلته، جعلتنا ندرك أنَّ الأميركيين باعونا وهمًا. فهم لا يريدون سوى إخضاع إيران بالكامل، وهذا أمرٌ لا يمكننا قبوله”.
وعبّرت “مهسا”، وهي كاتبة وفنانة في الثلاثينيات من عمرها، عن مشاعر مماثلة، قائلة: “كل ما كنت أعتقد أنَّ الولايات المتحدة تمثله، من حرية واحترام وديموقراطية، أراه الآن مجرّد أكاذيب”. وأضافت: “مهما بلغ غضبي من دولتنا على مرِّ السنين، فإنَّ هذا يظل وطننا، ولا يحق لأيِّ دولة أجنبية أن تقتل قادتنا، وتقصف أطفالنا، وتحاول تدميرنا”.
وفي ضوء هذا التحوُّل في المزاج الشعبي، لم يكن مستغربًا أن يستقطب موكب جنازة قاسم سليماني في تموز (يوليو) ملايين المشيعين، رغم احتدام الصراع الذي كانت البلاد تخوضه. وخلال التشييع، وزّع المشاركون رايات حمراء ترمز إلى المطالبة بالثأر والانتقام. وبعد فترة وجيزة، شنت إيران هجمات على سفن تجارية كانت تعبر مضيق هرمز، مما أدى إلى انهيار وقف إطلاق النار الهش الذي توصلت إليه مع الولايات المتحدة قبل ثلاثة أشهر.
مع ذلك، يبدو أنَّ عددًا كبيرًا من المسؤولين الأميركيين لا يزالون يراهنون على أنَّ الضغوط الاقتصادية المتزايدة ستؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير هذه المواقف. فهم يعتقدون أنَّ استمرار تدهور الظروف المعيشية سيدفع الإيرانيين إلى محاولة إسقاط حكومتهم، أو سيجبر الجمهورية الإسلامية، خوفًا على بقائها، على الاستجابة للمطالب الأميركية.
لكن هذا الرهان أقرب إلى التفكير السحري والساذج منه إلى التقدير الواقعي. فقد أمضت إيران السنوات الخمس عشرة الماضية في بناء اقتصاد قادر على الصمود أمام الحرب الاقتصادية الأميركية. وعملت السلطات الإيرانية، في هذا الإطار، على إقامة علاقات تجارية متينة مع التجار في الدول المجاورة، إلى جانب تعزيز الإنتاج المحلي وصولًا إلى تحقيق اكتفاء ذاتي شبه كامل في المواد الغذائية.
نتيجة لهذه الاستعدادات، ورغم الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الإيراني والارتفاع الكبير في معدلات التضخم، لم تشهد المدن والبلدات الإيرانية حتى الآن نقصًا في السلع أو الخدمات الأساسية. ويقول حميد رضا، وهو مهندس يتنقل بانتظام بين أصفهان وطهران بحكم عمله: “من المدهش مدى حسن إدارة الأمور داخل البلاد. صحيح أنَّ الأسعار مرتفعة، لكن لم يحدث أيُّ نقص على الإطلاق في أيِّ مكان من البلاد. لقد جرت إدارة كل شيء داخليًا بعناية فائقة”.
لا يعني ذلك أنَّ الإيرانيين متفائلون بمستقبل بلادهم. فهم يشعرون بقلق عميق إزاء ما ينتظرهم، ويتطلعون إلى عودة الاستقرار وتحسُّن الأوضاع الاقتصادية. لكنهم لا ينظرون إلى الحرب الأميركية والإسرائيلية باعتبارها حربًا لتحريرهم، بل يرون فيها عدوانًا لا مبرر له على وطنهم.
وقد أسهم تصاعد المشاعر الوطنية في تراجع حدة الانقسامات بين التيارات السياسية المختلفة، وقلّص احتمالات اندلاع انتفاضة شعبية جديدة ضد الحكم. وهكذا، بدلًا من أن تؤدي الحرب إلى إضعاف الجمهورية الإسلامية سياسيًا، انتهت إلى تعزيز موقعها الداخلي.
الألم والمكاسب
على غرار المجتمع الإيراني، تبنّت القيادة الإيرانية موقفًا أكثر عدائية تجاه واشنطن منذ اندلاع الصراع. فقد عمد المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، إلى تعيين عدد من مساعديه الموثوقين في مواقع رئيسية، بينما لا يزال هو نفسه متواريًا عن الأنظار. وينتمي معظم هؤلاء إلى التيار المتشدد المرتبط بالحرس الثوري الإيراني، ومن أبرزهم محسن رضائي، مستشار الأمن القومي، وحسين طيب، قائد أبرز القوات شبه العسكرية المحلية في البلاد.
ويعتقد هؤلاء أنَّ منع الولايات المتحدة من شنِّ هجمات جديدة يتطلب ردًا حاسمًا وقويًا على أيِّ استفزاز، بدلًا من الاكتفاء بضبط النفس أو التهديد بالرد. كما يشككون في جدية واشنطن بشأن الحلول الديبلوماسية، مستندين إلى أنََّ الولايات المتحدة هاجمت إيران مرتين بينما كانت المفاوضات جارية، ثم تراجعت عن مذكرة التفاهم التي وقّعتها مع طهران في حزيران (يونيو) الماضي. وبالنسبة إليهم، تشكل هذه السوابق دليلًا على أنَّ واشنطن لا يمكن الوثوق بتعهّداتها. بل إنهم يشتبهون في أنَّ إبداء الإدارة الأميركية استعدادها لاستئناف المحادثات قد يكون مقدّمة للتحضير لهجمات جديدة، كما حدث في حزيران (يونيو) 2025 وشباط (فبراير) 2026.
أما الشخصيات الأكثر اعتدالًا نسبيًا داخل المؤسسة السياسية الإيرانية، فتتبنّى مقاربة مختلفة في الوسائل، وإن لم تكن بعيدة من المتشددين في الأهداف. وتضم هذه المجموعة الرئيس مسعود بيزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، والرئيس السابق حسن روحاني، ووزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف. وقد دأب هؤلاء على الدعوة إلى مواصلة البحث عن تسوية ديبلوماسية للصراع، فيما شدد بيزشكيان وقاليباف خصوصًا على ضرورة معالجة الأعباء الاقتصادية المتزايدة التي يتحمّلها المواطنون.
غير أنَّ الخلاف بين المعتدلين والمتشدّدين ليس بالعمق الذي قد يبدو للوهلة الأولى. وكما قال لنا أحد المحللين المُطَّلعين على مواقف هذه الشخصيات: “لا أحد يقول إنَّ على إيران أن تستسلم”. فحتى الذين يمنحون تخفيف الضغوط الاقتصادية أولوية قصوى يرون أنَّ السبيل إلى ذلك يمرُّ عبر إجبار الولايات المتحدة على الالتزام بمذكرة التفاهم التي وقّعتها في حزيران (يونيو).
من وجهة النظر الإيرانية، ألزمت تلك المذكرة واشنطن بالإفراج عن جميع الأصول الإيرانية المجمَّدة، ورفع العقوبات كافة، والامتناع عن شنِّ هجمات جديدة على إيران، ودفع تعويضات، في مقابل وقف إطلاق النار واستئناف حركة التجارة عبر مضيق هرمز، مع احتفاظ إيران بحق فرض رسوم على السفن العابرة.
منذ نهاية الصيف، أكد كلٌّ من رضائي وقاليباف أنَّ أيَّ مسارٍ ديبلوماسي جديد يجب أن يبدأ بعودة الولايات المتحدة إلى الالتزام بهذه المذكرة. لكن الشكوك لا تزال عميقة بشأن استعداد واشنطن لاتخاذ هذه الخطوة. وكما أخبرنا المحلل نفسه عقب اجتماعات الأمم المتحدة الأخيرة في نيويورك، فإنَّ هذه الشخصيات تعتقد أن “ترامب ليس مستعدًا” للدخول في مفاوضات جدية.
وبالنسبة إليهم، لن يعود الرئيس الأميركي إلى الاتفاق إلّا إذا اضطر إلى الاعتراف بانتصار إيران. وهذا، في حساباتهم، يتطلب مواصلة رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة، حتى تصبح العودة إلى التفاهم أقل ضررًا من الاستمرار في المواجهة.
من هنا، يُرجَّح أن تتسم الاستراتيجية العسكرية الإيرانية بقدرٍ أكبر من التصعيد، من دون التقيد بردود محسوبة أو متناسبة مع حجم الهجمات التي تتعرّض لها البلاد. فإذا استؤنفت الحرب، فإنَّ طهران تعتزم توسيع نطاق عملياتها ليشمل المنطقة بأكملها، بدلًا من حصرها في المناطق المتاخمة للأراضي الإيرانية.
فالقناعة السائدة داخل القيادة الإيرانية هي أنَّ ضبط النفس والالتزام بسلوك يمكن التنبؤ به لن يؤدّيا إلّا إلى تشجيع واشنطن على زيادة ضغوطها، من دون أن يقرّبا طهران من تحقيق هدفيها العسكريين الرئيسيين: إجبار الولايات المتحدة على سحب جميع قواتها من الخليج العربي، والقبول بأولوية إيران في المنطقة.
وتندرج الهجمات الإيرانية المتكررة على القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في الأردن وسوريا ومختلف أنحاء الخليج العربي ضمن هذه الاستراتيجية. وقد حققت هذه العمليات بعض النتائج بالفعل، إذ ألحقت أضرارًا جسيمة بعدد من الأصول العسكرية الأميركية، وأجبرت واشنطن على نقل جانب من عملياتها ومواردها العسكرية إلى إسرائيل والأردن، فضلًا عن زيادة اعتمادها على قاعدة تقع في وسط المحيط الهندي لتوفير الدعم اللوجستي. كما دفع التهديد بشن هجمات إيرانية الولايات المتحدة إلى سحب جميع قاذفاتها من طراز “بي-1” من إحدى قواعدها في المملكة المتحدة.
في موازاة ذلك، تسعى طهران إلى دفع شركاء واشنطن الخليجيين إلى إغلاق القواعد العسكرية الأميركية الموجودة على أراضيهم. ولتحقيق هذا الهدف، أعلنت صراحة أنَّ استعادة السلام والأمن في الخليج العربي تتطلب إنهاء الوجود العسكري الأميركي، وشنّت مرارًا ضربات على دول خليجية تشتبه في تقديمها الدعم للمجهود الحربي الأميركي.
ومن غير المرجح أن تنجح إيران في إنهاء الوجود العسكري الأميركي في الخليج بصورة كاملة. لكنها استطاعت، من خلال هجماتها والتهديد بمواصلتها، إثارة تساؤلات لدى الدول العربية بشأن كلفة الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية. وقد يدفع ذلك بعض هذه الدول إلى إعادة النظر في طبيعة الترتيبات العسكرية القائمة، بما قد يفضي في نهاية المطاف إلى تقليص حجم الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة.
بطبيعة الحال، قد تنجح إيران في إجبار القوات الأميركية على الانسحاب من محيطها الإقليمي من دون أن تتمكن من انتزاع تخفيفٍ للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. والواقع أنَّ إعلان إدارة ترامب عن “يوم الحسم الاقتصادي” (Economic D-Day) جاء جزئيًا نتيجة الإنهاك الذي أصاب القوات الأميركية، بعدما دفعت الهجمات الإيرانية على البحرية الأميركية سفن واشنطن إلى الابتعاد أكثر عن السواحل الإيرانية.
لكن طهران تعتقد أنها تستطيع إجبار الولايات المتحدة على التوصل إلى تفاهم اقتصادي من خلال إلحاق خسائر مالية متزايدة بها وبشركائها. ولهذا الغرض، سعت إلى دفع أسعار النفط والغاز والديزل ووقود الطائرات وغيرها من المشتقات النفطية إلى الارتفاع، عبر استهداف عدد من منشآت الطاقة في منطقة الخليج. وشملت هذه الهجمات منشآت الغاز في رأس لفان بقطر، ردًا على هجوم إسرائيلي استهدف حقل جنوب بارس الإيراني، فضلًا عن منشآت نفطية في ميناء الفجيرة بدولة الإمارات العربية المتحدة.
في الوقت نفسه، تواصل إيران مهاجمة ناقلات النفط والغاز الطبيعي، وتسعى إلى ترسيخ سيطرتها على مضيق هرمز، الذي تعتبره جزءًا من الأراضي الخاضعة لسيادتها. وقد تصدت واشنطن بقوة لهذه المحاولات، ونجحت مؤخرًا في تأمين مرور الناقلات عبر هذا الممر البحري الحيوي. غير أنَّ ضمان سلامة الملاحة استلزم حشد موارد بحرية ضخمة، وهو جهد لا تستطيع الولايات المتحدة مواصلته إلى أجل غير مسمى.
وتستفيد طهران أيضًا من الدعم الذي يقدمه شركاؤها الإقليميون. فقد هاجمت قوات عراقية مدعومة من إيران خط أنابيب رئيسيًا ينقل النفط السعودي إلى منشآت على البحر الأحمر، في عملية من شأنها تقليص إمدادات النفط العالمية بصورة ملحوظة لأشهر عدة. كذلك، واصل الحوثيون المتحالفون مع إيران في اليمن استهداف المنشآت النفطية السعودية، وتمكنوا من السيطرة على مساحات واسعة إضافية والوصول إلى مضيق باب المندب، مما أتاح لهم تهديد الملاحة في البحر الأحمر، الذي تمر عبره نحو 12 في المئة من التجارة العالمية.
وأظهرت هذه العمليات أنَّ شبكة حلفاء إيران وشركائها الإقليميين، رغم الضربات القاسية التي تعرّضت لها في لبنان وسوريا، لا تزال تحتفظ بقدر كبير من القوة والفاعلية، وبالقدرة على ممارسة الضغط على المصالح الأميركية وحلفائها في أكثر من ساحة.
المضي قدمًا بثبات
قد تعتقد الولايات المتحدة أنها نجحت في محاصرة إيران وتضييق خياراتها، لكن طهران تنظر إلى موقعها في الصراع من زاوية مختلفة تمامًا. فهي لا ترى نفسها في موقفٍ دفاعي، ولا تعتقد أنها استنفدت وسائل المواجهة، بل تعتبر أنها ارتقت إلى مصاف “القوى العظمى”. وتبدي القيادة الإيرانية اعتزازًا بأداء قواتها المسلحة، وثقة بأنَّ مكانة بلادها الدولية آخذة في التعزُّز.
وقد احتفى المسؤولون الإيرانيون بالاستقبال الحافل الذي حظي به وفد بلادهم من الدول الأعضاء خلال اجتماعات منظمة شنغهاي للتعاون وتكتل “بريكس” (BRICS) في أيلول (سبتمبر)، معتبرين ذلك دليلًا على تنامي الاحترام الدولي لإيران، رغم الضغوط الأميركية المتواصلة.
مع ذلك، لا تزال الجمهورية الإسلامية تواجه تحديات هائلة، ولم تتمكن حتى الآن من تحويل ما تعتبره إنجازات عسكرية إلى مكاسب سياسية واقتصادية دائمة في زمن السلم. لكنها تبدي استعدادًا لمواصلة القتال إذا اقتضت الضرورة.
وكما قال لنا محلل إيراني بارز مقرّب من دوائر صنع القرار، فإنَّ القيادة تعتقد أن الشعب الإيراني “مستعد لتحمّل الألم والمعاناة الاقتصادية إذا كان ذلك يعني تحقيق النصر”.
إنَّ النخب الإيرانية قد توحّدت حول استراتيجية مشتركة تقوم على مواصلة النهج الحالي، انطلاقًا من قناعة بأنَّ الصمود وزيادة الضغوط على الولايات المتحدة كفيلان بتحقيق أهداف طهران. وبعبارة أخرى، تعتقد الجمهورية الإسلامية أنها تستطيع الانتصار من خلال الاستمرار في سياستها الراهنة، من دون الاضطرار إلى تقديم أيِّ تنازلات.
- نرجس باجوغلي هي عالمة أنثروبولوجيا وأستاذة مشاركة في دراسات الشرق الأوسط بكلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز، ومؤلفة كتاب “إيران المُعاد تشكيلها: مخاوف السلطة في الجمهورية الإسلامية” (Iran Reframed: Anxieties of Power in the Islamic Republic).
- والي (فالي) نصر هو خبير في الشؤون الإيرانية وأستاذ كرسي “مجيد خدوري” للشؤون الدولية ودراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، وهو مؤلف كتاب “استراتيجية إيران الكبرى: تاريخ سياسي” (Iran’s Grand Strategy: A Political History).
- يَصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في “فورِن أَفِّيرز” الأميركية.
