بيروت، دمشق وحلب في عقائد أمن تركيا

محمّد قوّاص*

رَسَمَ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خريطةً أمنية جديدة لتركيا. أبلغ مَن يهمّهُ الأمر أنَّ “أمنَ تركيا لا يبدأ من هاتاي فحسب، بل يبدأ من حلب، ويبدأ من دمشق، ويبدأ من بيروت. دمشق وبيروت مدينتان شقيقتان لاسطنبول. لن نسمح بفرض أمر واقع في بُلداننا الشقيقة، ولن نتغاضى عن أيِّ هجمات تستهدفها”.

تعود الجذور الفكرية إلى كتاب أحمد داوود أوغلو “العمق الاستراتيجي” (2001)، الذي يرى تركيا وريثة الحضارة العثمانية ولها نفوذ طبيعي في مناطق “العمق”. لكن داوود أوغلو كان يتحدث عن صفر مشاكل مع الجيران. أما أردوغان فيتحدث هذه الأيام بلغة صلبة تُحدّد العدو بالاسم وتؤطّر التوسع كضرورة دفاعية.

وَسَّعَ أردوغان مفهوم الأمن القومي التركي خارج الحدود الجغرافية، وحدّد إسرائيل بوصفها المهدّد الرئيس لهذا الأمن. وصف الهجمات الإسرائيلية بأنها “تُهدّد البشرية جمعاء” ويجب وقفها فورًا.

تأتي التصريحات في سياق إقليمي متوتر:

  1. تحوّلات ما بعد سقوط نظام الأسد في سوريا.
  2. تراجع قوة إيران بعد الحرب الأخيرة.
  3. مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية التي تعيد رسم التوازنات.

تسبق التصريحات قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة (7-8 الشهر المقبل) بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب. يدخل أردوغان القمة وهو يحمل أعلى سقف تفاوضي ممكن. لسان حاله يقول إنَّ أيَّ ترتيبات سورية-لبنانية لن تكون مستدامة إلّا إذا أخذت المصالح التركية في الحسبان.

تشكل سوريا قلب هذه العقيدة. في أعراف أردوغان وعقائده أنَّ الوحدة السورية خط أحمر. والتحدّي الثابت هو الملف الكردي. تنظر أنقرة بقلق شديد إلى أيِّ تحريك للورقة الانفصالية، خصوصًا إذا ارتبط ذلك بتنسيق إسرائيلي. في المقابل، تسعى إسرائيل إلى إقامة منطقة عازلة في الجنوب. هكذا تتشكل معادلة نفوذ يصعب التوفيق بين طرفيها. هذا يعني أنَّ توسُّع النفوذ لأحدهما مرادف لتقلّصِّ الطرف الآخر.

يجد أردوغان نفسه داخل معادلة ملتبسة. تركيا حليف للولايات المتحدة داخل “الناتو”. والولايات المتحدة حليف تاريخي لإسرائيل. ومع ذلك بإمكان أردوغان التعويل على صداقة شخصية تجمعه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. سُئل الأخير عن تصريحات أردوغان التصعيدية فقال إنه “الصديق الجيد والقائد القوي”.

في المقابل، ردّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على تلك التصريحات بعنف، واصفًا أردوغان بـ”الديكتاتور المعادي للسامية” الذي يدعم حماس ويقمع الأكراد. فإذا ما كانت تركيا تعتبر إسرائيل عدوًّا، فإسرائيل التي انتشت بسقوط محتمل لإيران تمنّي النفس بأن تكون تركيا الهدف التالي، أو هكذا يخيّل للمتخيلين.

المنطقة في طور التشكّل. والمنطقة برمتها تدافع عن نفسها وتدفع عن نفسها خبث التشكّل. قبل أشهر ظهر تكتل رباعي ضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان لإعادة التموضع اتقاء من نذير التحوّلات المرتجلة.

تستنتج تركيا فراغًا إيرانيًا محتملًا وربما حتميًا لا سيما إذا ما فشل اتفاق واشنطن-طهران الملفّق. يرسم أردوغان عشية قمة “الناتو” حدودًا جديدة لبلاده ويسيج تركيا بحدائق خلفية.

يتحضّر التكتُّل الرباعي لرفعِ جدارٍ عال على طموحات نتنياهو في جعل الشرق الأوسط جديدًا وفق النسخة التي “يبشّر” بها. لا شيء نافرًا حتى الآن، غير أنَّ أردوغان يتبرّع بإعطاء أولى واجهات صدّ ضد ما يُرسَم من خرائط.

فإذا ما تطلّ إسرائيل بوقاحة مباشرة على مسارات لبنان وسوريا، فإنَّ أردوغان يعلن أنَّ أمن المدن التركية من أمن بيروت ودمشق وحلب.

يدشّن أردوغان عقيدةً أمنية تُعلن تجاوز الحدود الجغرافية إلى مناطق النفوذ التاريخي (العثماني)، وتحدد إسرائيل كتهديد مركزي. لا يعني ذلك أنَّ في الأمر صدامًا مقبلًا، بل تحذير بلهجة الإنذار، بأنَّ تركيا مُتنبِّهة واعية لما قد يُخطط له.

ولئن يكرر ترامب دعوة سوريا، حديقة تركيا الخلفية، للتدخُّل في لبنان ضد “حزب الله”، فإنَّ أردوغان يرى في ذلك العبث الأبجدي ما يستدعي أبجدية مضادة تطلق وابلا من النقاط لوضعها على الحروف.

تغادر تركيا عقيدة “صفر مشاكل” وتعلن الانخراط في علم الحساب، بحيث تصير مدن المنطقة أرقاما تركية يُحسَب لها حساب.

Exit mobile version