
هنري زغيب*
أَيضًا وأَيضًا: الفينيقيون. وأَيضًا كذلك: “الناشيونال جيوغرافيك”.
بعد ثلاثيتي في “أَسواق العرب” (الأُسبوع الماضي والذي قبْله) عن تاريخ الفينيقيين وأُصولهم وتراثهم، ورَد معظم صورها ونصوصها في “الناشيونال جيوغرافيك” (عدَدها المزدوج (تموز-آب/يوليو/أُغسطس 2025)، وخلال قراءَتي عددَها أَيلول/سبتمبر 2020، وجدتُ مقالًا علْميًّا موثَّقًا عن أَقدم معصرة عنب في لبنان قبل 2600 سنة في تل البراق (قرب صيدا – جنوب لبنان) كان الفينيقيون يُصنِّعون فيها النبيذ، ويحملونه إِلى سفنهم التجارية، يُبْحرون به إِلى بلدان البحر الأَبيض المتوسط.
في الحلقة الأُولى من هذا المقال عرضْتُ لمحةً عامةً عن تلك المعصرة. في هذه الحلقة الأُخرى والأَخيرة أُكمِلُ التفاصيل الأَخيرة كما وردَ معظمُها في “الناشيونال جيوغرافيك”.
نَشْر النبيذ عادة شعبية
كان حدَثًا أَثريًّا وتاريخيًّا مُهمًّا اكتشافُ مَكْبَس هذه المعصرة، لأَنها دليلٌ دامغٌ على كثافة الحركة التجارية الفينيقية الغنيَّة في العالَم القديم، انطلاقًا من تلك المعصرة الفريدة عهدئذٍ في سائر الأَراضي الفينيقية، ونشْر عادةِ شُرب النبيذ بين جماعات الشعب المختلفة التقاليد والعادات الشعبية.
وتدلُّ البذور على أَنَّ دوالي العنب كان يؤْتى بها من ضواحي تل البراق إِلى حوضٍ كبيرٍ (مساحتُه نحو 10 أَقدام مربعة) من الجص الصلب، يروح العمَّال يَدوسون فيه على حبوب عناقيد العنب، فيَجري السائلُ منه، بحجم نحو 3000 ليتر، إِلى حوضٍ نصفِ دائريٍّ أَدنى وأَصغر، ولتجميع السائل وتخميره يؤْخذ ويُسْكَبُ في جرارٍ فخَّاريةٍ كبيرةٍ كي يتخمَّرَ فترةً فيتحوَّلَ نبيذًا.
من حبَّة العنب إِلى نقطة النبيذ
تدلُّ اكتشافاتُ تلّ البُراق على أَربع حاويات كبيرة من الطُوب (الآجُرّ القرميديّ)، كانت بين القرنَين الثامن والسادس (ق.م.) تُفَرَّغُ في أَوعية خاصة، وتُشحنُ بحرًا للتجارة إِلى مختلف دول المتوسط. وعن الخبيرة العالية الخبرة الدكتورة هِلِن صادر (من الجامعة الأَميركية في بيروت، وهي بين الفريق الباحث في موقع تل البُراق) أَنَّ النبيذ كان مادة تجارية فينيقية رئيسة، ما جعل نبيذ منطقة صيدون ذا شهرة ذاعت عهدئذٍ وصدرَت عنها كتاباتٌ في نقوش مصر القديمة.
وتُلْمح الدكتورة صادر بأَنَّ وثائق صنع النبيذ هي، مع الأَسف، ضئيلةٌ محليًّا في لبنان، بسبب العشوائية التي سادت الحفريات الأَثرية المتعاقبة في تُربة الأَرض اللبنانية. فالشاطئ اللبناني لم يحظَ بمسحٍ أَثريٍّ سليم، خصوصًا لـمرحلة العصر الفينيقي البرونزي.
وعن سجلّ الحفريات على شاطئ شمال فلسطين: اكتشافُ مَعاصر فينيقية تابعة لممْلَكَتَي صور وصيدا. وهذا يؤَكِّد ما كان للفينيقيين من وَسَاعة تجارة في مواد الزيت والزيتون إِلى جانب النبيذ والزجاج، وخصوصًا خصوصًا أَحرف الأَبجدية الفينيقية. هكذا البحارةُ الفينيقيون التجَّار أَدخلوا صادرات النبيذ الفينيقي إِلى شمال أَفريقيا وصقْلية وفرنسا وإِسبانيا، فانتشر تجاريًّا في صفوف الشعبَيْن اليوناني والإِيطالي، وكانا يعرفان النبيذ المر من الدوالي البرية، لا النبيذ الحلو كما كان يَصدر عن معصرة الجنوب في لبنان.
الحلول المبتكرة
اشتهر الفينيقيون بـ”سُفُن الخمر” ونشْرهم شُربَه في دول المتوسط من دون أَثره السلبي. ذلك أَنَّ حُبَّ الفينيقيينَ النبيذَ امتدَّ إِلى طقوس عباداتهم الدينية التي كذلك امتدَّت بدورها إِلى عبادات الشرق الأَدنى. وكان الدور الاجتماعي والاقتصادي المهم الذي لعبه النبيذ في المجتمعات الفينيقية ساهمَ في تطوير حلول مبتكرة في تكنولوجيا بناء المنشآت اللازمة لإِنتاج النبيذ، ودلَّت نتائج الاكتشافات على تقاليد البناء الفينيقية المستخدمة في الهياكل المرتبطة بصناعة النبيذ.
نبيذ في العبادات
عن الخبير في صنْع النبيذ قديمًا: الأَركيولوجي باتريك ماك غُوڤِرن (من جامعة پنسليڤانيا) أَنَّ الفينيقيين يتحدَّرون من الكنعانيين الْكانوا شعب العصر البرونزي، وأَنَّ النبيذ كان يُحتَسى في طقوس عباداتهم، كما كان لدى أَسلافهم الكنعانيين وامتدَّ لاحقًا إِلى العبادات اليهودية فالمسيحية. ويرجَّح أَنَّ معصرة تل البُراق كانت مصدرًا رئيسًا لإِنتاج ذاك النبيذ.
كان يمكن أَن يواصِلَ فريقَا المكتشفات الأَثرية اللبناني والأَلماني أَبحاثَهما، لكنَّ الأَوضاع الأَمنية إِبان السنوات الأَخيرة في لبنان كانت وما زالت تُعيقُ العملَ أَعمقَ في التربة عند موقع تلّ البُراق.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي)
