هنري زغيب*
منذ ثلاثة أَرباع القرن وهو يعاني. منذ “ترانسفير” 1948، وما تلاه من خضَّات أَمنية وعسكرية (1958، 1969، 1973، 1975، …) وأَبناؤُهُ يدفعُون ضرائب الدم والقصف والخراب والتهجير. ومنذ أَصبح ساحة صراع مسلَّح وخزَّان أَسلحة ومنصَّة قذائف وصواريخ ومحرَّمًا على جيش لبنان، بات مرمى العدو الوحش الأَعمى. وتباعًا تباعًا فرغ جُلُّه اليوم من أَهله، مشرَّدين في وطنهم، نازحين إِلى أَقارب وأَصدقاء وإِيواءات، مهجَّرين من لبنان الخطر الحسْبيّ إِلى لبنان الأَمان النسْبيّ.
مَن ينتصر له؟ كانت بيروت الستينات والسبعينات وكْر تظاهرات ومظاهرات وإِضرابات وانتصارًا لقضايا السوى، فمن لها اليوم؟ لا نشهد انتصارًا واحدًا من دولة واحدة في الجوار والمحيط والإِقليم من أَجل بيروت الجريحة والجنوب المهشَّم. منذ قوى الأَمر الواقع قبل عقود من تراخي السُلطة والدولة، أَحكمَت على الحُكْم أَصفادُها، ونحن نتهاوى من أَغلال إِلى أَغلال، حتى بات آلاف أَولادنا مهاجرين في دول العالم، حيث لا فوضى ولا خطر ولا محاصصات طائفية.
مَن ينتصر لجنوبنا؟ لأَرض جبل عامل وإِرثه الديني والثقافي العظيم؟ لأَرضنا المقدَّسة سار عليها يسُوع؟ لواحاتنا الغالية الغنية بشواهد الحضارة؟ واحة صور التاريخية، عروس التراث العالَمي في لائحة الأُونسكو (منذ 1984)، على شاطئها وُلِدَ الأُرجوان، وابنتُها أُوروب أَعطت اسمها لقارَّة عظمى، وابنتُها الأُخرى إِليسَّا انطلقَت منها لتؤَسس مدينة قرطاجة.. صيدا الخالدة التي قال عنها بول موران: “ذات يوم كانت صيدا وصور كلَّ تاريخ العالم”، وفيها شفى يسوع ابنةَ المرأَة الفينيقية.. قانا أَرض الأُعجوبة الأُولى أَظهر فيها يسوع أُلوهيَّته يوم العرس.. أَرض القلاع المهيبة (الشقيف، دير كيفا، صيدا، تبنين، شَمع).. مغدوشة مغارة انتظار مريم ابنَها يسوع عائدًا من جولاته التبشيرية.. نبطيَّة حسن كامل الصبَّاح والمساجد وعاشوراء.. مرجعيون وحاصبيا واحتا اللقاء الروحي.. الليطاني أَطول أَنهار لبنان وأَغناها!
مَن ينتصر اليوم لجنوبنا؟ أَبْعَدُ من أَن نتجادل في مَن يقْصفُه ومن يُسبِّب قصْفَه”، نفتكر ما أَوصلَه إِلى هذا الواقع الفاجع: نظامٌ طائفي قبائلي عشائري يُمسي الدستور لديه وُجهة نظر استنسابية.. سرطان الاستسلام والاستزلام ومنطق الولاء للزعماء لا للدولة.. برواز “الترويكا” الذي يُبقي صورة تهتزُّ عند أَول منعطف… ونفتكر: هل منذ الاستقلال كنا نبني “دولة” (إِلَّا في فترات متقطعة قليلة مع رجال دولة مُتَعفِّفين عن الغُنْم الشخصي)؟ لم تَعُد الدولة جسمًا واحدًا بل “دومينو غيتُوَات” طائفية وسياسية سرعان ما ينهار عند أَول هزَّة.. وطالَما بيننا مواطنون يُغذُّون باستزلامهم هذا الانهيار فيَلْعَنون زعيمَهم يوم السبت، وينتخبونَهُ يوم الأَحد طمعًا أَنانيًّا بخدماته الشخصية لهم، ثم يلعنونه من جديد يوم الاثنين، فلا عجبَ أَن يسيطر معظمُ السياسيين على أَزلامهم ومحاسيبهم وناخبيهم، ويُبعدونهم عن سعيهم إِلى بناء دولة القانون والدستور، فيرضى الأَزلام بإِهانة الدولة وينتفضون عند إِهانة الزعماء.
مَن ينتصر اليوم لجنوبنا؟ حتى النزوحُ عنه بات طائفيًّا، وهنا مَقْتَلُه. لم تعُد المناطقُ وطنيةً جامعة بل باتت صبْغاتٍ طائفيةً متفرقة، وباتت المنطقة هويةَ المواطن. وحين تصبح الطائفةُ عنوانَ المنطقة، تقتل المواطنية وحسَّ الانتماء، وتاليًا تتفسَّخ الهوية الواحدة إِلى بُقَعٍ خسِعة تصعقُها العواصف فتنقسمُ وَلاءَات سياسية ودينية وطائفية، وهنا مقْتَل الشعب اللبناني الرازح تحت الواقع “الطائفُو-سياسيّ”. والأَخطر: انتماءُ فئة من الشعب إِلى ولاء طائفي أَو سياسي خارج الأَرض اللبنانية، فليس لبنان لهم وطنًا بل إِقامة.. ومَن يقيم في وطن لا ينتمي إِليه، يَسْهل عليه التنكُّر له والعمل ضدَّه لصالح السوى.
ويومَ يَعود الميثاقُ الوطني حاجةً يومية لا حالةً لفظية، ويُصبح الجنوب يعني كلَّ مواطن في كلِّ منطقة من لبنان، يعود إِلينا الجنوب من فم الوحش ولا يعود منصَّةً تُثير الوحش، فنسترجع أَصالتَه واحةً لا ساحة، وينضمُّ لبنان إِلى لبنان، ويتصالح الوطن مع كيانه.. عندئذٍ يصحُّ الكلامُ عن دولة سيِّدة قوية متينة متَّحدة تحمي جميعَ أَبنائها وتَجمعُهم إِليها: مؤْمنين بها، موحَّدين فيها أَقوياء، معتزّين بأَنهم أَبناء لبنان.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).
