عالَمٌ مُتَغَيِّرٌ يُزيلُ الأُمَمَ المُتَّحِدة ويُنعِشُ أنظمةً إقليميَّة!

هُدى الحُسَيني*

شو إن لاي الشخص الأقوى في الصين زمن ماو تسي تونغ، كان مُفكِّرًا مهمًّا واقتصاديًّا رفيع المستوى، وهو وتلاميذه كانوا أوّلَ مَن وَضَعَوا الأُسُس الأولى لنقل الصين من الثورة الثقافية التي أدّت إلى كثيرٍ من الضياع والتخبُّط إلى ما هي عليه الصين اليوم. يقول شو إن لاي في حديثٍ مع الكاتب محمد حسنين هيكل عام 1969 إنَّ العالمَ سيشهدُ تغيُّراتٍ كبرى، وإنه عندما تحصل، كما دومًا ومنذ الأزل، سوف تدبُّ فوضى عارمة، وتحصَلُ أزماتٍ وصراعات وحروب تستمرُّ إلى أن تنجلّي معالمَُ التغيير وشكلُ العالم الجديد.

ويُكمل الزعيم الصيني أنه في عملية التغيير هناك نوعان من الدول: تلك التي تُدركُ التغيير فتتحرَّك لاستيعابه والتكيُّف معه، لتُصبحَ من “دول الداخل”، وأخرى لا تلتقطُ التغيير وتبقى خشبيّة جامدة ضعيفة هزيلة هامشية مُنقسمة على نفسها، فتصبح عرضةً للتدخُّلات الخارجية والعبث بأمنها وخيراتها، وتسمى “الدول الخارجة”.

عالمُ اليوم يُثبتُ صحّةَ ما قاله شو إن لاي قبل 57 عامًا، وها نحنُ نشهدُ تغييرًا نرى أحداثه بأُمِّ العين مباشرةً على التلفزيون وعبر وسائل التواصل. من معالمه التي بدأت تتوضَّح أنَّ مَن يُسمِّيها شو إن لاي بـ”دول الداخل” ليست فقط مَن لديها مَزيدًا من الطائرات والدبابات والمدافع والأساطيل، بل تلك التي تُنتِجُ أيضًا ذكاءً اصطناعيًا مُتفوِّقًا، وتملكُ قدراتٍ سيبرانية متقدّمة تعملُ على تطويرها وتوسيع نطاقها بلا توقُّف.

أما تلك التي تعتمدُ على قدرات الجيش التقليدية فقط، فهي من “دول الخارج” التي لن تستطيع الصمود أمام الطامعين والطامحين في التوسُّع من “دول الداخل”. ولإثباتِ ذلك، لا يوجدُ أفضل من مثال انهيار الاتحاد السوفياتي الذي لم يواكب التغيير، وكذلك جيوش الأنظمة العربية البائدة التي صرفت ثروات طائلة على أسلحتها التقليدية لتنهار سريعًا أمام أول تحدٍ.

ويبدو أنَّ هناكَ تغييرًا في النظام الدولي الذي نشأ منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والذي قام على مبادئ وقوانين وأعراف تمَّ التوافق عليها بين جميع الدول تحت قبّة الأمم المتحدة، بهدف منع تكرار الحروب الكبرى وحماية الدول المستضعفة وإنشاء تنظيمات تُعنى بأمور حقوق الإنسان ورعايته الصحية والبيئية والاجتماعية. إلّا أنَّ هذه المؤسسة الأممية فشلت بتحقيق آمال الشعوب بالأمن والحماية والعدالة، ومع الوقت أصبحت قرارات جمعياتها العمومية لا تساوي قيمة الحبر الذي تُكتَب به.

أما قراراتُ مجلس الأمن، فهي دائمًا معطَّلة بـ”حق النقض” (الفيتو) للدول الأعضاء التي تمارسه دومًا بسبب تعارُض مصالح بين الدول الأعضاء الخمس. وما زادَ في العقم أنَّ هؤلاء الأعضاء أقدموا بأنفسهم على مخالفة القوانين الدولية والمبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة. ولقد كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب واضحًا وصريحًا بقوله إنَّ منظمة الأمم المتحدة فاشلة ولا تعمل، ومشاركة بلاده بموازنتها (25 في المئة) تذهب هدرًا، ولن يسمح باستمرارها، وقد وقَّعَ الأسبوع قبل الماضي أوامر إدارية بإلغاء مشاركة بلاده بـ66 منظمة تابعة للأمم المتحدة، وقبلها ألغى ميزانية “الأونروا”، وقال إنَّ هناك المزيد من الإجراءات بهذا الاتجاه.

وعليه، يبدو العالمُ المُتغيِّر بلا منظمة الأمم المتحدة التي قد تحلُّ مكانها أنظمة إقليمية تتزعّمُ كلَّا منها واحدةٌ من الدول القوية من الداخل. وتُصبح الولايات المتحدة المركز الأهم في عالمٍ متغيِّر جديد بسبب فائض القوة الذي تمتلكه عسكريًا وتكنولوجيًا واقتصاديًا.

العالمُ المُتغيِّر يكون بلا أحلاف عسكرية، مثل “الناتو”، فهي تشكّلُ عبئًا على دول الداخل، وتُعيقُ قدراتها بالتحرُّك. وقد نقل جون بولتون مستشار الأمن القومي السابق في ولاية ترامب الأولى أنَّ الرئيس يعتقد أنَّ المصاريف المُجمَّعة السنوية لـ”حلف شمال الأطلسي” (الناتو)، تبلغ نحو 1.5 تريليون دولار تساهم بلاده فيها بنسبة 66 في المئة،؜ أي نحو 900 مليار دولار، وهذا في أغلبه يهدف لحماية أوروبا، في وقتٍ يتوجَّب حماية مصالح الولايات المتحدة أولًا من خطرٍ داهم من الشرق تحديدًا (الصين وبدرجةٍ أقل الهند)، وليس من أوروبا، وعليه، فقد يشهد العالم نهاية الأحلاف التي قادتها الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والتي لم تستفد منها في المقابل بأيِّ شيء.

وقد يشهدُ العالمُ المُتغيِّر انتهاءً أو تقلُّصًا في حجم الاتحادات الاقتصادية السياسية، مثل الاتحاد الأوروبي، وقد شاهدنا كيف ألغى الرئيس ترامب بأوامره الإدارية اتفاق “النافتا” الذي كان أُنشِئ عام 1994 لتكوين سوق تجارة حرة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك؛ ففي عالمٍ تتنافس فيه الدول لتكون في الداخل لا يُمكنُ أن تتباطأ حركتها لأجل دول أخرى أقل تقدُّمًا. وفي هذا السياق، تعرّضت أوروبا لعديد من المشكلات، كان آخرها تبعات جائحة “كوفيد – 19″، وأعباء الحرب الأوكرانية، وأزمة الغلاء العالمية، إضافةً إلى المنافسة الحادة مع الصين، وانكفاء الولايات المتحدة عن القارة العجوز، كلها شكّلت عناصر ضغط جعلت مستقبل الاتحاد الأوروبي على المحك، على الأقل بشكله الحالي، خصوصًا أنَّ دول أوروبا المتقدّمة التي تسعى لكي تكون في الداخل ستجد في دول الاتحاد الأقل تطوُّرًا عائقًا سيمنعها من التقدُّم للوصول إلى الداخل. وها هو مثال ألمانيا التي تحمّلت أكلافًا أثقلت كاهلها، بسبب تعثُّر وتخلف بعض دول الاتحاد، ما أدّى إلى تراجع اقتصادها وفقدان توازنها الاجتماعي. وسيكون من الصعب أن تستمرَّ الأمور كما هي عليه إذا ما أرادت أن تتحرَّكَ لتكون من دول الداخل.

العالم المُتغيّر يبدو عالمًا إمبراطوريًا بامتياز؛ فما حصل في فنزويلا لم يكن مجرّد إلقاء القبض على رئيس دولة ومحاكمته، وهذا مارسته الولايات المتحدة من قبل، بل الأمر تعدّى ذلك؛ بالاستيلاء المباشر على ثروات فنزويلا، تمامًا كما كان يفعل الأباطرة في زمن الإمبراطوريات. إنه عالمٌ مُتغيِّر القوانين، ومبادئه تفرضها مصالح القوى الإقليمية الداخلة التي بدورها تحفظ مصالح الإمبراطور الأميركي، وإلى أن يستقرَّ العالم، سنشهدُ كثيرًا من الفوضى والأزمات والحروب، تمامًا كما قال شو إن لاي لمحمد حسنين هيكل في أحد الأيام قبل 57 عامًا.

Exit mobile version