هل تتراجع روسيا عن اتفاقات المصالحة التي رعتها في سوريا؟

دفع انقلاب روسيا على اتفاقِ تسوية رعته في  العام 2018 بين النظام ومعارضين له في درعا، إلى تعزيز الاعتقاد بعدم جدوى الوثوق بالحلول التي تُقدّمها موسكو للسوريين.

درعا: التسوية فيها كانت خدعة روسية لإدخال قوات النظام إليها.

تيم الحاج*

شهدت مدينة درعا في نهاية تموز/يوليو الفائت تصعيداً عسكرياً بين قوات النظام ومجموعات مسلحة معارضة، بعد ثلاث سنوات من تسوية استثنائية رعتها روسيا أبقت على تواجد مقاتلين معارضين في مناطق عدة من المحافظة الجنوبية، بينها أحياء داخل مدينة درعا تُعرَف بأحياء درعا البلد.

قادت روسيا خلال هذا التصعيد مفاوضات للتوصّل إلى اتفاقٍ بين الطَرَفَين، تم خلالها إجلاء نحو 70 مقاتلاً معارضاً من أحياء المدينة إلى مناطق سيطرة فصائل معارضة في شمالي البلاد.

بعد قبول الأطراف المعارضة تحت ضغط روسي بشروط النظام، زحف الأخير إلى مدن وبلدات وقرى أخرى في المحافظة حاملاً معه ملف التسوية كي يعيدها إلى عصا طاعته. وقد نجح في ذلك، إذ تحدثت وسائل إعلام النظام قي تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، عن”طي ملف التسويات” في محافظة درعا جنوبي سوريا بشكل نهائي، بعد استكمال تطبيقها في آخر منطقة شمال المحافظة وهي مدينة إزرع والقرى والبلدات التابعة لها.

روسيا وتسوية درعا

يستطيع المتابع للسياسة الروسية في سوريا الإدراك أن موسكو  تضع لنفسها هناك  تكتيكات مُعقّدة لخدمة استراتيجيتها، فتظهر تارة بصورة المُحارب لكل مَن يقول “لا” للنظام السوري، وأخرى وهي ترعى التفاوض معه، وهو ما يُفسّر عدم انخراطها عسكرياً في الحملة الأخيرة على محافظة درعا.

تعيش محافظة درعا منذ تموز/ يوليو 2018 حالة غير مكتملة من الهدوء التي فرضتها تسوية قادتها روسيا بعد حملةٍ عسكرية على المناطق التي كانت خارجة عن سيطرة النظام في دمشق، وأفضت حينها إلى تهجير الرافضين للبقاء تحت سلطة النظام، وبقاء من وافق على شروط التسوية.

تركّزت وقتذاك أبرز بنود التسوية على تسليم المعابر الحدودية لقوات النظام، وتسليم السلاح الثقيل والمتوسط من الفصائل العسكرية إلى النظام، ودخول مؤسسات الدولة إلى المناطق التي كانت خارج سيطرة النظام سابقاً، وعودة الموظفين إلى أعمالهم، إضافة إلى تسوية أوضاع المسلحين والمطلوبين من أبناء المحافظة، وإعطاء مهلة ستة أشهر لمستحقي الالتحاق بالخدمة الإلزامية، ووقف عمليات الاعتقالات والملاحقات الأمنية والإفراج عن المعتقلين.

لكن معظم بنود الاتفاق المُتعلّقة بمصالح سكان درعا لم تُنفّذ من قبل النظام بعد مرور ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق، خصوصاً ما يتعلق بخروج المعتقلين وتسوية أوضاع المُنشقّين والمطلوبين، وإيقاف الملاحقات والبلاغات الأمنية بحق أصحاب التسويات، وعودة المؤسسات الحكومية والموظفين إلى عملهم. بل على العكس كان الشلل يحكم القطاعات الخدمية والتعليمية والاقتصادية في درعا، إلى جانب الفلتان الأمني المتمثل بهجمات متواصلة تطال القوات العسكرية والأمنية، وعمليات الاغتيال المتكررة ضد شخصيات وقيادات مدنية وعسكرية بعضها معارض.

بالإضافة إلى ذلك فإن النظام فتح الأبواب بشكلٍ واسع لعمليات تجنيد مقاتلي فصائل التسوية والمطلوبين للخدمتين الإلزامية والاحتياطية، وقد التحق الآلاف منهم بقواته وأفرعه الأمنية بعد حصولهم على وعود بعدم مشاركتهم في أيّ معارك خارج المحافظة، الأمر الذي مهّد لحالة استطاع فيها آلاف المقاتلين السابقين الحفاظ على أسلحتهم، والحصول على بطاقات أمنية أو عسكرية تُسهّل لهم حركتهم، من دون إغفال أن من بين هؤلاء قياديين سابقين في المعارضة.

الانقلاب على التسوية

ليست درعا المثال الأوحد على عمليات التسوية التي نفّذتها روسيا بين النظام ومعارضيه، لكن الاتفاق فيها كان مُختلفاً عما جرى في حمص وغوطة دمشق، كون روسيا أوجدت قوة موالية لها تُسيطر على مساحة مهمة من ريف درعا الشرقي لا يستطيع النظام ولا إيران دخولها على الإطلاق، إذ تعتبر طهران ومن خلفها “حزب الله” المنطقة الجنوبية من سوريا ذات أهمية جيواستراتيجية، وخط جبهة عسكرية لأي مواجهة مُحتَملة مع إسرائيل.

والحديث هنا عن اللواء الثامن التابع لـ الفيلق الخامس، وهو فصيل مؤسس من”قوات شباب السنّة” (كان قبل تسوية 2018 في قوات المعارضة) الذي يسيطر على مدينة بصرى الشام ومحيطها.

ويتمثل انقلاب روسيا على تسوية درعا في كونها تراجعت عن وعود كانت قطعتها للأهالي بعدم السماح للنظام السوري بدخول مناطقهم ومُضايقتهم أمنياً عبر مطالبتهم بتسليم بعض الشبان أو بتسليم أسلحة، إلى جانب تراجع الضباط الروس عن تأكيداتهم للأهالي بأن مناطقهم ستكون تحت إشراف الشرطة العسكرية الروسية التي من المُفترض ووفق الوعود بأنها لن تسمح للأفرع الأمنية والثكنات العسكرية للنظام السوري بدخول مناطقهم، والاكتفاء بتمثيل النظام ببعض مخافر الشرطة والدوائر الخدمية.

وتُعدُّ موسكو عرّابة مسار التسويات هذا في سوريا، ويعود أصل التسويات إلى أيار/مايو 2017، عندما  اتفقت روسيا وتركيا وإيران، الأطراف الثلاثة الراعية لمفاوضات أستانا، في نسختها الرابعة على إنشاء أربع مناطق لخفض التصعيد بين مقاتلي فصائل المعارضة وجيش النظام والمليشيات الداعمة له. وشمل الاتفاق “تحسين الوضع الإنساني وخلق ظروف ملائمة لدفع التسوية السياسية للصراع” وفقاً لنص الإتفاق.

والمناطق الأربع هي: محافظة إدلب وأجزاء مُعيَّنة من المحافظات المجاورة (اللاذقية، وحماه، وحلب)؛ ومناطق مُعيَّنة من شمالي محافظة حمص وجنوبي حماه؛ الغوطة الشرقية؛ ومناطق معيّنة من جنوبي سوريا (محافظتا درعا والقنيطرة)، واعتبر الموقّعون على الاتفاق الذي اقترحته روسيا على أنه إجراء مؤقت ستكون مدته مبدئياً ستة أشهر، وسيتم تمديده تلقائيا بالاستناد إلى توافق الضامنين.

ولأن روسيا هي عرّابة التسويات، يُعتقَد أنه في الأحداث التي شهدتها درعا في تموز/يوليو الماضي، والتي تمثّلت بحملة تصعيد شنّها النظام ابتداءً على أحياء درعا البلد وانتهت بمدن وقرى في أرياف المحافظة، نجحت روسيا جزئياً في الترويج على أنها وسيطٌ في المفاوضات الجارية لتسوية الأوضاع في درعا، لكنها في الغرف المغلقة للتفاوض كانت تمارس ضغوطاً قاسية على لجان المعارضة الممثلة لأهالي درعا، مُتجاهلةً الضمانات التي قدمتها لهم في اتفاق التسوية المُبرَم في صيف 2018، ما يشير بوضوح إلى أن موسكو مستمرة في اللعب لصالح النظام، وإلى هشاشة جميع التسويات المبرمة بوساطة وضمانات روسية، واحتمال تفجّر الأوضاع في العديد من المناطق التي أعاد النظام سيطرته عليها باتفاقات تسوية جزئية مع المعارضين له.

لماذا درعا الآن؟

إكتسبت درعا ومعها عدد من المناطق الجنوبية من سوريا أهمية إضافية أكبر مع الحديث عن إعادة العمل بمشروع “خط الغاز العربي” الذي يمر عبر أراضي المحافظة، إلى جانب أهميتها الإستراتيجية السابقة بوقوعها على الحدود مع الأردن وبالقرب من حدود إسرائيل، لهذا بات من الضروري أن تكون تلك المناطق مُنضبطة أمنياً وهادئة، وهو ما عمل عليه نظام الأسد وموسكو بالاتفاق مع الأردن، الذي يتخوف دائماً من اندلاع مواجهات بين إسرائيل وبين الميليشيات الإيرانية المسيطرة في عدد من مناطق الجنوب السوري.

المتوقَّع هو أن التسويات التي جرت تحت تهديد السلاح في درعا، قد تتكرّر في مدينة السويداء جنوبي سوريا أيضاً التي يوجد فيها فصائل محلية من الطائفة الدرزية ترفض الانصياع للنظام.

وإلى جانب أهمية مشروع خط الغاز لروسيا وللنظام السوري الذي أكسبه بعض التعويم الدولي كونه حاصل على مباركة أميركية وتمويل من البنك الدولي، لضخّه إلى لبنان من مصر، فإن المنطقة الجنوبية تُعدُّ بالغة الأهمية بالنسبة إلى روسيا، فهي تشكّل ضغطاً إقليمياً على دول الخليج والأردن وإسرائيل، بصفتها حلفاء أميركا، ومن يمتلك هذه المنطقة ويضبطها يصنع أوراق التفاوض فيها وعليها.

  • تيم الحاج هو صحافي تحقيقات ومعد ملفات في العمق تختص بالشأن السوري. يمكن متابعته عبر تويتر على: @taim_alhajj

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى